نتناول الحديث من ناحية الفعل ومن ناحية المتن..

أولاً من ناحية الفعل:ماحكم القنوت في صلاة الفجر؟:

لقد قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا واحداً ثم عدل عن ذلك..ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل : ومن منكم كمثلي..ابيت يطعمني ربي ويسقين..أنا إن فعلت فعلا داومت عليه مالم أؤمر بغير ذلك..

فلو كان القنوت مستحباً لداوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي : الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ ، وَالصُّبْحِ .هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيِّ (.الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأثار..أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمذاني.

وعليه القنوت مشروع عند وجود سببه (وهو النازلة بالمسلمين) فإذا زال السبب ترك القنوت. أما قنوت النبي صلى الله عليه وسلم شهراً فليس مقصوداً منه التحديد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك القنوت لما زال سببه بقدوم من قنت لهم، كما يدل على ذلك حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ فَقُلْتُ أُرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ قَالَ فَقِيلَ وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا). أخرجه مسلم.

ملحوظة هامة في الحديث فعياش والوليد وسلمة رضي الله عنه، حبسهم المشركون في مكة لما أسلموا ومنعوهم من الهجرة، وقد تواعدوا جميعاً للهروب من المشركين فدعا لهم النبي  صلى الله عليه وسلم. والمراد (بالمستضعفين من المؤمنين) هم ضعفاء المؤمنين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وآذوهم وعذبوهم. وقوله : (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ) أصل الوطأة الدوس بالقدم، ومن وطأ الشيء برجله بشدة فقد استقصى في إهلاكه وإهانته، فيكون المعنى : اجعل بأسك وعذابك الشديد عليهم. وقوله : (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) هي المشار إليها في قوله تعالى من سورة يوسف : ” ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد ” فكانت عليهم سبعة أعوام عمهم فيها القحط ونقص الطعام، فيكون المعنى هنا : هو الدعاء عليه بالقحط العظيم. (انظر في هذه المعاني : المنهل العذب المورود 8/82).)..
قال ابن القيم : ” إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم و جاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت “. (زاد المعاد 1/272).

والحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت حتى فارق الدنيا على معنى طول القيام ، والمقصود بالقنوت طول القيام ، والسكوت ، والدعاء ، والتسبيح والخشوع .

قال الله جل وعلا( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) .

وقوله ( وقوموا لله قانتين ) . كما ذكره شيخ الإسلام (22/270) و ابن قدامة في المغني ( 1/823) وغيرهم – رحم الله الجميع .

عن أبي نجيح قال : (سألت سالم بن عبد الله ، هل كان عمر بن الخطاب يقنت في الصبح ؟ قال : لا إنما هو شيء أحدثه الناس بعد) رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” (3/108).

قال ابن القيم رحمه الله ” زاد المعاد ” ( 1/264) وكان هديه في القنوت في النوافل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر.. فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر واسلم من دعا عليهم، وجاءوا تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر والمغرب. اهـ وإليه أشار ابن حزم في ” المحلى 3/62 “.

لذلك قال الشوكاني – رحمه الله – ( نيل الأوطار 1/ 376)

إذا تقرر ذلك علمت ان الحق ما ذهب إليه من قال أن القنوت مختص بالنوازل وانه ينبغي عند نزول النازلة ان لا تخص به صلاة دون صلاة وقد ورد ما يدل على هذا الاختصاص من حديث انس عند ابن خزيمة، وقد تقدم، ومن حديث أبى هريرة عند ابن حبان بلفظ: كان لا يقنت الا ان يدعو لاحد او يدعون على احد، واصله في البخاري. أهـ

من المهم جدا الرجوع إلى هذا الرابط حتى لا أكرر نفسي..فلقد قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نـُهِىَ عن ذلك..

http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/showthread.php?t=1023

ومن مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين – المجلد الرابع عشر – باب صلاة التطوع.

التصنيف: فقه العبادات

تاريخ النشر: 23 شوال 1428 (4‏/11‏/2007)

السؤال: ما حكم القنوت في صلاة الفجر، وما حكم القنوت في الوتر، وهل يصلي الإنسان الوتر كصلاة المغرب؟

الإجابة: هذا السؤال تضمن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: القنوت في صلاة الفجر، وهذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم وهي مبنية على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهراً يدعو لقوم أو يدعوا على قوم؛ فقنت يدعوا للمستضعفين من المؤمنين في مكة، وقنت يدعوا على من قتلوا أصحابه القراء عليه الصلاة والسلام قنت شهراً يدعوا الله عليهم.
ومن تأمل سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم وجد أن القول الصواب في هذه المسألة أنه لا قنوت في الفرائض إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة وحدثت حادثة تحتاج إلى الابتهال إلى الله عز وجل على اجتماع، فإنه يقنت، وظاهر الأدلة أن القنوت ليس خاصاً بصلاة الفجر عند نزول النوازل بل هو عام في كل الصلوات، وعلى هذا فإذا كان القنوت في صلاة جهرية جهر به، وإن كان في صلاة سرية يسر به، والذي نراه أن الحوادث المهمة يقنت وقت حدوثها ثم إذا صارت مستمرة فلا يقنت.

المسألة الثانية: حكم القنوت في الوتر: القنوت في الوتر سُثثنة، لكن الاستمرار عليه دائماً ليس من السُنة بل إذا قنت أحياناً فهو خير، وإذا ترك فهو خير؛ لأن القنوت علمه عليه الصلاة والسلام ابن ابنته الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ولكنه عليه الصلاة والسلام لا أعلم أنه كان يقنت في وتره.

المسألة الثالثة: قول السائل: هل يصلي الوتر كصلاة المغرب؟ فهذا لا ينبغي، فإذا أوتر الإنسان بثلاث ركعات فإنه مخير بين أن يصليها بتسليمتين يعني يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي الثالثة وحدها، أو أن يسردها جميعاً بتشهد واحد عند السلام، وأما أن يسردها بتشهدين فتشبه صلاة المغرب فهذا قد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في النهي عنه والله أعلم.

ثانياً: من ناحية المتن

1 ـ صيغة الحديث تتحدث عن إرادة الله تعالى وليس عن المشيئة فالمشيئة على إطلاقها لله سبحانه وتعالى..وهي على غير الإرادة.

أننا نؤمن بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى له مشيئة وله إرادة،ولن أتحدث هنا عن المشيئة ولكنني اتحدث عن الإرادة لما لها علاقة بالموضوع..

هذه هي صيغة الدعاء كما وردت في الكتب وكما يرددها المشايخ :

اللّهم اهدِنا فيمَن هَديْتَ, وعافِنا فيمَن عافيْتَ, وتَوَلَّنا فيمَن تَوَلَّيْتَ, وبارِك لَنا فيما أَعْطَيْتَ, وقِنا واصْرِف عَنَّا شَرَّ ما قَضَيتَ، سُبحانَك تَقضي ولا يُقضى عَليكَ, انَّهُ لا يَذِّلُّ مَن والَيت وَلا يَعِزُّ من عادَيتَ, تَبارَكْتَ رَبَّنا وَتَعالَيْتَ, فَلَكَ الحَمدُ يا الله عَلى ما قَضَيْتَ، وَلَكَ الشُّكرُ عَلى ما أَنْعَمتَ بِهِ عَلَينا وَأَوْلَيتَ, نَستَغفِرُكَ يا رَبَّنا مِن جمَيعِ الذُّنوبِ والخَطايا ونَتوبُ اليكَ, وَنُؤمِنُ بِكَ ونَتَوَكَّلُ عَليكَ..

والمدقق في الحديث يجد أنه قد وردت فيه ألفاظ وصيغ مستحيل أن ينسبها رسول اللله صلى الله عليه وسلم لله ابداً..ولقد لونتها  باللون الأزرق والأحمر..

نبدأ بالأتي:

قوله صلى الله عليه وسلم: (واصْرِف عَنَّا شَرَّ ما قَضَيتَ)..هذا يقع في دائرة الإرادة..

فبالنسبة للإرادة..نجد أن ألله سبحانه وتعالى أراد منا أشياء وأراد لنا أشياء..

فما أراده الله منا..أظهره لنا، ويتلخص في أفعل ولا تفعل..

وما أراده الله لنا أخفاه عنا..لذلك كان قوله تعالى [قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ](التوبة : 51).

فيجب علينا أن ننصرف إلى ما أراده الله منا عما اراده الله لنا..

وقد كان من ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى قوله : (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) رواه مسلم (771) .

قال النووي :” قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : فِيهِ الْإِرْشَاد إِلَى الْأَدَب فِي الثَّنَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَمَدْحه بِأَنْ يُضَاف إِلَيْهِ مَحَاسِن الْأُمُور دُون مَسَاوِيهَا عَلَى جِهَة الْأَدَب..فكيف ينسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إرادة الشر في الدعاء إلى الله تعالى: (واصْرِف عَنَّا شَرَّ ما قَضَيتَ)..

وكأن الجن كانوا أفهم لله من رسوله الكريم حينما قالوا في سورة الجن، حيث قال سبحانه: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) الجن:10.

فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب ، وحذفوا فاعل إرادة الشر ، وبنوا الفعل للمفعول . فالشر لم يضيفوه إلى الله سبحانه وتعالى(أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ)، ولما جاء الرشد قالوا: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) فنسبوا الرشد إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرشد خير فنسبوه إلى الله، وأما الشر فلا ينسب إليه..

والمدقق في قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)آل عمران: 26

فلنعد قراءة الآية الكريمة ولكن بروية..

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ …عظيم..

تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ …يقابله ..وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ

وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ …يقابله.. وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ

إلى هنا والمعنى مستقيم..فلندقق في تكملة الآية الكريمة

بِيَدِكَ الْخَيْرُ..كنا نتوقع أن يقابله..و بِيَدِكَ الْشَرُ

 إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

هذا ماكنا نتوقعه عن مقابلة الأفاظ بعضها البعض..

ولكن لأن الخير كله بيد الله سبحانه وتعالى فلا ينسب إليه الشر أبداً قال تعالى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)..

وفي قصة السفينة( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ…. إلى قوله تعالى: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) الكهف: 79-82.

نسب الخضر الأمر المعيب إلى نفسه: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) ؛ لأن الله سبحانه يُنسب إليه الشيء الطيب، والعيب ظاهره ليس من الشيء الطيب، فنسبه الخضر إلى نفسه تأدباً مع ربه عز وجل، فقال: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا)، وهذا عيب يراد منه أن تسلم السفينة حتى لا يأخذها الملك؛ لأنه كان يأخذ كل سفينة صالحة سليمة، فأراد الخضر أن يعيبها؛ لتسلم من هذا الملك إذا رآها معيبة خاربة تسلم من شره وظلمه، فلما كن ظاهر الأمر لا يناسب ولا يليق إضافته لله نسبه لنفسه فقال: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا).

وعند ذكر الأبوين المؤمنين قال: (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا).. كذلك لما كان أمراً طيباً نسبه إلى نفسه؛ لأنه مأمور من جهة الله عز وجل (أَرَدْنَا)، وذكر نون الجمع؛ لأنه نبي، والنبي رجل عظيم فناسب أن يقول: (أردنا)، ولأنه عن أمر الله وعن توجيه الله، فناسب أن يقال فيه: (أَرَدْنَا)، ولأنه كان عملاً طيباً ومناسباً وفيه مصلحة.ومن ثم اتبع قوله مباشرة (أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا)..

ولما كان أمر اليتيمين فيه خير عظيم، وصلاح لهما، ومنفعة لهما قال: ( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ )..فهو جار على الأصل من نسبة الخير إلى الله.

قال ابن القيم :” الطريقة المعهودة في القرآن الكريم هي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى ، فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول ، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدبا في الخطاب ، وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله .

 فمنه قوله تعالى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) .

[يعني أنه في الإنعام قال : (أَنْعَمْتَ) وفي الغضب قال : (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ولم يقل : غَضَبتَ عَلَيْهِمْ] .

ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ  ) الشعراء/78-82 .

فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى ، ولما جاء إلى ذكر المرض قال : (وَإِذَا مَرِضْتُ) ولم يقل : ( أمرضني ) وقال : (فَهُوَ يَشْفِينِ) .وهذا من جنس قول الجن في سورة الجن، حيث قال سبحانه عن الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) الجن:10.فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب ، وحذفوا فاعل إرادة الشر ، وبنوا الفعل للمفعول . فالشر لم يضيفوه إلى الله سبحانه وتعالى، ولما جاء الرشد قالوا: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) فنسبوا الرشد إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرشد خير فنسبوه إلى الله، وأما الشر فلا ينسب إليه، كما جاء في الحديث الصحيح: (والشر ليس إليك) ، وهذا من الأدب الصالح، من أدب الجن المؤمنين، ومن أدب الخضر عليه الصلاة والسلام، قال في العيب: فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وفي اليتيمين: (فَأَرَادَ رَبُّكَ) الكهف:82، وهذا من الأدب المناسب مع الله سبحانه.”بدائع الفوائد” (2/256) .

2 ـ قوله صلى الله عليه وسلم والمنسوب إليه: (انَّهُ لا يَذِّلُّ مَن والَيت وَلا يَعِزُّ من عادَيتَ)..

الدعاء بهذه الصورة يوحي بوجود شريك مع الله..وحاشى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينطقه..وعليه فالمدقق في الدعاء يجب أن ينسب العزة لله فيقول : (انَّهُ لا يُـذَّلُّ مَن والَيت وَلا يُـعَزُّ من عادَيتَ)..وهو ما يستقيم مع طلاقة قدرته عز وجل..

وبناء على كل ماسبق فأجد نفسي حينما أدعو الله بهذا الدعاء أجدني أقول: (واصْرِف عَنَّا شَرَّ ما قَضَيتُ)..بوضع ضمة على التاء المفتوحه فأنسب فعل الشر إلى نفسي بدلاً من قولي: (واصْرِف عَنَّا شَرَّ ما قَضَيتَ)..فأنسب فعل الشر إلى الله عز وجل حاشاه.. وهو ما قد بيناه..

 

 

تفضلو ا  الملف

 

حديث القنوت

زهدي جمال الدين محمددراسات اسلاميةنتناول الحديث من ناحية الفعل ومن ناحية المتن.. أولاً من ناحية الفعل:ماحكم القنوت في صلاة الفجر؟: لقد قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا واحداً ثم عدل عن ذلك..ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل : ومن منكم كمثلي..ابيت يطعمني ربي ويسقين..أنا إن فعلت فعلا داومت عليه مالم أؤمر...موقع الأستاذ زهدي جمال الدين للدراسات الإسلامية

Comments

comments