1185440_512893428796047_1460806994_n

مفهوم التعدد الموجود في سورة النساء

 

 

مقدمة

 

الكلام عن التعدد الموجود في سورة النساء قد يكون صادماً بعض الشيء لكل من رسخ في ذهنه أن المقصود به هو التعدد على إطلاقه..
ولسوف تفاجئ عزيزي القارئ بأن التعدد المقصود في السورة كما سنرى أن الأصل فيه هو
التزوج من أم اليتيم إن أراد الزوج أن يجمع على زوجته امرأة أخرى.
هذا هو أصل التشريع الوارد في سورة النساء عند التعدد..
أما إباحة التعدد تشريعاً فلقد ورد بقول رسول الله صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ..ولم يفرضه..
وفارق كبير بين الفرض والإباحة ..فالأصل عند الزواج أن يكون بواحدة..والعقد يأخذ صفة التأبيد..والجمع عليها يكون استثناءاً.
وعندما نتناول الآية التي تحدثت عن التعدد..فإنه من الخطأ أن نتناولها بمعزل عن باقي الآيات التي تتحدث عن اليتيم..بالإضافة إلى البيئة القرءانية التي نزلت فيها الآية..
فالمدقق في الآية الكريمة والتي تتحدث عن التعدد يجد السياق فيها عجيباً حيث يقول سبحانه وتعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)النساء:3
ركزوا في قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ)..
نجد أن الآية تتحدث عن الجور وعدم العدل في اليتامى..وتكملتها مباشرة (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ )..
وعليه فما العلاقة بين قوله تعالى في أول الآية الكريمة: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ)..
وبين قوله تعالى(( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ )..
ثم نرى أن عجز الآية الكريمة (ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا) .. والتي تتكلم عن الحد الأدنى لعول اليتامى..

والدراسة التي بين يديك على فصلين
الفصل الأول: الحديث عن اليتيم
وهو على أفرع
الفرع الأول: اليتامى
الفرع الثاني: اليتيم ومفهوم العدل
الفصل الثاني:فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم
الفرع الأول.مساوئ التعدد
الفرع الثاني:التفييد على الأمة الإسلامية
الفرع الثالث:المفارقة في النكاح
الفرع الرابع:التعدد نظام أخلاقي
الفرع الخامس: تعدد الغربيين لا أخلاقي ولا إنساني
الفرع السادس:أثر الإصلاح الإسلامي في التعدد
الفرع السابع:مناقشة التقييد بصفة عامة
الفرع الثامن :مناقشة القيد الثالث في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة..
الفصل الأول
الحديث عن اليتيم
وهو على أفرع

الفرع الأول: اليتامى
الفرع الثاني: اليتيم من الجهتين الاجتماعية والمالية
الفرع الأول: اليتامى
من هو اليتيم؟..

نحن في التنزيل الحكيم أمام أربع وعشرين آية تتحدث عن اليتيم تارة وعن اليتامى تارة أخرى، فتأمر بإكرامهم وإطعامهم وإيوائهم ومخالطتهم والإحسان إليهم، وتنهى عن دفعهم بعنف وعن أكل أموالهم وعن ظلمهم في التعامل معهم. ونحن في السيرة النبوية أمام عشرات الأحاديث الصحيحة التي تدور في فلك – ولا تتناقض مع – ما أمر به التنزيل وما نهى عنه.
ويتضح مفهوم اليتيم من خلال التفرقة اللغوية الهامة التالية:
الفرق بين (اليتيم) و(اللطيم) و(العجِيّ)

واليتيم هو الذي فقد الأب المعيل المربي قبل أن يبلغ سن الحلم وما زالت أمه على قيد الحياة، بدلالة ما أخرجه أبو داود في سننه عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: حفظت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لا يُتْمَ بعد احتلام.
وبدلالة قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً)الكهف: 82.
أما الذي مات أبوه وأمه جميعاً وهو قاصر دون سن البلوغ فهو اللطيم في لسان العرب وليس اليتيم.
وكثيراً ما نسمعهم يقولون: هذا يتيم الأبوين، وذاك يتيم الأم، وهذا غير صحيح، والصواب أنّ (اليتيم) من فقد أباه فقط، أمَّا (العجِيّ) فهو من فقد أمّه ، وأمّا (اللطيم) فهو من فقد أبويه معاً لكن الناس تسامحوا في الاستعمال اللغويّ فأطلقوا (اليتيم) على من فقد أباه أو أمّه أو كليهما.
والصواب: استعمال اللفظ فيما وضع له؛ جاء في المصباح: (اليتيم في الناس من قِبَل الأب، والجمع: أيتام ويتامى، وغير الناس من قِبَل الأم، فإن مات الأبوان فالصغير لطيم، إن ماتت أمّه فقط، فهو عجيّ).
وورد في المختار: ( و(اليُتم) في الناس من قِبَل الأب، وفي البهائم من قِبَل الأُمّ، وكلّ شيء مفرد يَعزّ نظيره فهو (يتيم) يقال: دُرّة يتيمة).
وعليه يتبيَّن لنا أنَّ (اليتيم) يطلق على من فَقَدَ أباه فقط أما (اللطيم) فيطلق على من فقد أبويه معاً وأما (العجيّ) فيطلق على من فقد أمّه فقط.
يبقى أن نشير إلى أن جميع الآيات التي أمرت بإكرام اليتيم وإطعامه وإيوائه ومخالطته والإحسان إليه ونهت عن دعِّه وأكل ماله إنما تدور حول اليتيم فاقد الأب وما زالت أمه على قيد الحياة.
نقول هذا لأن الذي ماتت أمه وبقي أبوه حياً لا يحتاج لمن يكفله ويرعاه ويطعمه ويؤويه ولا
داعي لنصح الأب في قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ) [الأنعام : 152].
وجاء في كتب التفسير أن هذه الآية لما نزلت وكذلك قوله تعالى(وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ )الإسراء: 34
حتى بادر كل من عنده مال ليتيم فعزل طعامه وشرابه واجتنبوا أمورهم نظراً لما في هذا التحذير من عقاب صارم ينتظر آكل مال اليتيم.
وطبيعي أن يوجب هذا الوضع التشويش ، والاضطراب في قلوب المسلمين لأن ذلك مما يوجب تنفير هذه الفئة الضعيفة منهم.
ولم تقتصر الآيات الكريمة في مقام التهديد على النهي عن التجاوز ، وأكل مال اليتيم ، والتوعيد بالعذاب الأخروي بل سلكت طريقاً آخر مستوحىً من الواقع الحياتي الذي يعيشه الفرد في كل يوم.
إن هذه الطريقة الجديدة تتمثل في تنبيه المتجاوزين بأنهم لو ظلموا اليتامى ، وتجاوزوا على حقوقهم ، فليحذروا أن يكون جزاؤهم نفس ما عملوه مع اليتيم ، ولينتظروا يوماً يعامل فيه أيتامهم بنفس الطريقة التي أساؤوا بها إلى أيتام الآخرين.
قال تعالى وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا )النساء:9
وحينما يقول سبحانه وتعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)النساء:10
وقوله عز وجل: (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) النساء : 2.
نجد أنه لا ملازمة لوضع اليتيم مع الفقراء فكثير من الأيتام لهم من الأموال ما ليس للكبار منها شيء.
ومن ثم نلاحظ انه لا يقع اليتيم ضمن مصارف الزكاة:
(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )التوبة : 60
فلا يوجد ذكر لليتامى هنا بعكس ما هو موجود في سورة البقرة: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )البقرة : 177..
ومشكلة اليتامى الأثرياء ليست بأقل من مشكلة اليتامى الفقراء لان المشكلة تكمن في الرواسب الخلقية ، والتي تفسح المجال للأقوياء في التسلط على الضعفاء.
واليتيم في أغلب الموارد ضعيف فقد من يكفله ، وبقي تحت رحمة الأولياء والأوصياء.
لذلك نجد الشريعة المقدسة تولي الاهتمام بهذه الجهة لتحافظ على الرصيد المالي لهذه الفئة الضعيفة كما أولتهم العناية بتوجيه النفوس إليهم في بقية المراحل الحياتية والمعاشية ، والتربوية.
لذلك نرى القرءان الكريم قد عالج مشكلة الأيتام من خلال مجموعة من الآيات ، والتي خصصت لمعالجة مشكلة اليتامى الأثرياء على ثلاثة مراحل :
المرحلة الأولى : في المحافظة على ما يترك لليتيم من مالٍ ميراثاً كان ذلك المال ، أو هبة تعود إليه ، وعدم التجاوز على حقوق هؤلاء الضعفاء.
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) الكهف:
82
المرحلة الثانية : وتتكفل ببيان الخطوط التي تنهي دور اليتم ، وترفع عنه هذا العنوان ، وبذلك تنتهي مهمة الأولياء ، والأوصياء عندما يشب الطفل ، ويترعرع فيصبح قابلاً لتسلم ماله من الأموال وقادراً على إدارتها بنفسه شأنه في ذلك شأن بقية الكبار.
قال عز وجل :
(وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ)سورة النساء : 6
وقال سبحانه :
(وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) سورة الأنعام : آية ١٥٢
وقال تعالى :
(وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ )سورة الإسراء : آية ٣٤.
المرحلة الثالثة : وهي في الحقيقة مرتبطة بالمرحلة الثانية حيث يؤكد فيها على تثبت إرجاع المال ، والتأكد من استلامه بما يرفع النزاع في المستقبل من دعوى عدم التسليم أو دعوى نقصان المال المسلم ، ولذلك يطلق على هذه المرحلة اسم ( الإشهاد على التسليم).
(فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا) النساء:6
هنا تأتي الآيتان 2 و 3 من سورة النساء، فتأمر الأولى بأداء أموال اليتامى إليهم بعد أن يبلغوا أشدهم وتنهى عن أكلها بالإهمال أو بالاختلاس.
ثم تليها الآية 3 لتقول (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ).
وعليه فعند العودة إلى قوله تعالى (( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى) نجد أن معنى الخوف هو الخشية من وقوع ما هو مخيف في المستقبل، والقسط هو البر والإحسان ولا يكون إلا من طرف أول هو القيم على اليتامى وطرف ثانٍ وهم اليتامى، واليتامى جمع للمذكر والمؤنث مفرده يتيم ويتيمة.
واليتيم هو الذي فقد الأب المعيل المربي قبل أن يبلغ سن الحلم وما زالت أمه على قيد الحياة، بدلالة ما أخرجه أبو داود في سننه عن الإمام علي رضى الله تعالى عنه أنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يُتْمَ بعد احتلام.
وبدلالة قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً)الكهف: 82.
أما الذي مات أبوه وأمه جميعاً وهو قاصر دون سن البلوغ فهو اللطيم في لسان العرب وليس اليتيم.
ومن ثم فإنه يتعين علينا أن نتناول الآيات التي تحدثت عن اليتيم في القرآن الكريم:
فلقد تعرضت الآيات له في اثنين وعشرين آيةمقسّمة إلى أقسام ثلاثة :
تعرض القسم الأول منها إلى بيان شمول اللطف الإِلهي له في الشرائع السابقة ، والايصاء به وذلك من خلال السور التالية وذلك بترتيب القرءان الكريم:
1 ـ (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ) البقرة:83
واليتامى هم هؤلاء الناس الأبرياء الذين شاءت الحكمة الإِلهية أن يختطف الموت اليد الكفيلة فتعوضهم بأيدٍ أخرى محسنة تحوطهم بكل معنى الرعاية ، والمحبة فجعلت الرحمة ، والعناية من جملة القواعد التي يتركز عليها دين الله القويم ، فكانت رعاية اليتيم من جملة بنود الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل والذي هو صورة مرسلة إلى جميع البشر لئلا يفقد اليتيم من يرعاه ، فيبقى نتيجة الإِهمال عضواً عاطلاً ، عالة على الآخرين.
ومن خلال بعض المشاهد نرى الرحمة الإِلهية تشمل اليتيم بنحو من الرعاية حيث لم تكتف بالايصاء به ، وأخذ ذلك في الميثاق على بني إسرائيل ، بل ينتقل من الايصاء ، والترغيب إلى التطبيق ، والإظهار للآثار المترتبة على معاملة اليتيم بالحسنىٰ ، ورعاية حقوقه لتظهر إلى الناس مدى التأثير الذي يخلفه هذا العمل الإنساني.وهو ما وضحته الآية التالية والتي بعدها:
2 ـ (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)البقرة: 1773 ـ (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ) البقرة:215
والخير هنا يذكر ويراد به المال..وهو بخلاف الأنصبة التي حددها الشرع في الميراث ويعرف بالعفو.
(وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ )البقرة : 219
ويدخل في ذلك الإنفاق المنيحة:
روى الإمام البخاري في ” صحيحه ” (رقم/2631) ، وقد بوَّب عليه رحمه الله بقوله : باب فضل المنيحة ، وهذا نصه:عنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(أَرْبَعُونَ خَصْلَةً – أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ – مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ)..
أمّا القسم الثاني : فقد تعرض إلى بيان ح
قوقه الاجتماعية.
يقول سبحانه وتعالى:
4 ـ (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة:2205 ـ (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) النساء:26 ـ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء:37 ـ (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا) النساء:6
لقد بدى واضحاً من الآيات الكريمة أنها صنفت الأولياء إلى قسمين :
١ـ ولي غني له من المال ما يكف نفسه عن تناول شيء من أموال اليتيم.
٢ـ وولي فقير قد يضر بحاله المالي أن ينشغل بإدارة الشؤون المالية لليتيم لذلك نجده يصبو إلى أخذ شيء من المال لقاء ما يقدمه له من رعاية ، ومحافظة.
أولاً: الولي الغني : وقد خاطبت الآية هذا النوع من الأولياء بقوله تعالى : (فَلْيَسْتَعْفِفْ ).
والاستعفاف في اللغة هو : الامتناع عن الشيء. والإِمساك عنه ، فهي إذا تخاطب الأغنياء بترك أموال اليتامى وعدم أكلها لا قليلاً ، ولا كثيراً فلماذا هذا الجشع ، والغني قد أعطاه الله من المال ما كفاه عن التطلع إلى هؤلاء الضعفاء ؟ وكيف تتم حلقة التكافل الاجتماعي ، والتضامن ما دام الغني يلاحق هؤلاء الصغار الذين فقدوا من يكفلهم ليضيف إلى مخزونه المالي ما يتقاضاه لقاء عمله لرعاية الأيتام ؟.
وأين إذاًَ النوايا الحسنة ، والضمير النابض ليستيقظ فيتجه الغني إلى ربه مبتغياً وجهه سبحانه فيما يقدمه من خدمة ، ورعاية ربما يكون هو في مستقبل الأيام محتاجاً لمثل هذه الرعاية من
الآخرين لو اختطفه الموت ، وخلف أيتاماً كهؤلاء الذين تولى هو أمرهم ، ورعايتهم ؟.
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ) النساء:9
٢ـ الولي الفقير : أما إذا كان الولي فقيرا فقد خاطبته الآية الكريمة بقوله تعالى : (وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)النساء:6
وقد روعيت ظروف الفقير في هذه الحالة ، فان الاشتغال بهذه الرعاية المالية يوجب انشغال الفقير عن كسبه ، أو لا أقل من توزيع جهوده بين كسبه ، ورعاية اليتيم المالية لذلك سمحت له الأكل ، وهو كناية عن تناوله من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على بعض التفاسير مع تقييد كون هذا الأخذ على نحو الفرض حيث لا بد من رده إذا تمكن بعد ذلك مالياً ، أو الأخذ على قدر ما يسد به جوعته ، وليستر به عورته لكن لا على جهة القرض بل على جهة تملك المأخوذ لقاء عمله ، ورعايته كما جاء في بعض التفاسير الأخرى.
وليكن هذا أو ذاك ، فالولي إذا كان فقيراً مقيد ، ومضيق عليه في تناول ما يشاء من مال المولى عليه.
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا )النساء:10
والتعدي عن المقدار اللازم في الأخذ من مال اليتيم هو أكل ذلك المال ظلماً ، وتجاوزاً وهو مهدد عليه بنص الآية الكريمة.
وأخيراً فرفقاً بهؤلاء الصغار الذين تقتضي الرحمة الإنسانية أن يحافظ على ماله إلى الوقت الذي يسلم إليه ليتمكن من مواجهة هذه الحياة بظروفها القاسية.
تسليم أموال اليتامى :
أما من ناحية تسليم أموال اليتامى فقد حدد الشارع لذلك وقتاً خاصاً يكون بإمكان الولي ، أو الوصي التخلي عن هذه المسؤولية الملقاة على عواتقهم بدفع أموال اليتامى إليهم.
قال عز وجل :
(وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ سورة النساء : 6
وقال سبحانه :
(وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) سورة الأنعام : آية ١٥٢
وقال تعالى وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ )سورة الإسراء : آية ٣٤
.
خطوط المراحل النهائية للمحافظة على مال اليتيم حددتها الآيات الكريمة فبدئ من خلالها لزوم شرطين أساسيين لتحقق هذه المرحلة الانتقالية ، وهما :
١ـ البلوغ.
٢ـ الرشد.
بلوغ النكاح : وهو كناية عن وصول الطفل إلى مرحلة النضوج البدني فيشهي بذلك النكاح والذي هو تعبير عن قدرة الطفل على ممارسة العملية الجنسية.
والرشد : وهو النضوج العقلي عند الإنسان.
قالت الشافعية والمالكية: إن الأمر بالإشهاد للوجوب أيضاً إلا أن الحنفية قالوا: إنه للندب وليس للوجوب، ولكن ظاهر الآيات يدل على أن الأمر بالإشهاد عند دفع المال للوجوب كذلك(فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً )النساء:6.
ويا لها والله من خاتمة جليلة تفزع القلوب الحية! ألا وهي قوله تعالىوَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً )النساء:6فهو الحسيب والرقيب والشهيد على أحوالكم وأقوالكم وأعمالكم، هو الذي يعلم منكم السر وأخفى، وهو الذي سيحاسبكم على ما قدمتم وما أخرتم في يوم لا ينفع فيه لا مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصدق الله إذ يقول:
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ )الأنبياء:47.
وكما أوصى الله باليتيم ، ورعى له مصالحه لاحظ في الوقت نفسه جانب الولي من حيث تسليم أموال اليتيم.
إن مرحلة تسليم أموال اليتامى بعد وصولهم إلى سن الرشد والنضج العقلي ليس إلا وضع الحد النهائي لسلطة الولي أو الوصي ، وبدء مرحلة السلطة لأصحاب الأموال أنفسهم حيث كان بإمكانهم في تلك المرحلة من القيام بإدارة أنفسهم من دون أن يكون في البين ولي ، أو وصي يقوم بذلك.
وفي هذه المرحلة نبّه الحق سبحانه وتعالى الأولياء لنقطة قد تحصل نتيجة معاكسات ، ومشاكسات تلازم هذه المرحلة الدقيقة ، وهي حصول اتهام الولي في المستقبل ، وتوجيه اللوم له من جهة اليتيم يرميه بالاختلاس ، أو التقصير ، وعدم القيام بما يلزم من التصرف ، أو المحافظة على المال على نحو يكون قد وصل إليه حقه.
واليتيم بعد كل هذا بشر ، ومهما يكن فقد يشك بالولي كأي إنسان آخر تحصل له الشكوك من بعض الملابسات ، والقضايا الخارجية ، فبدلاً من أن يقوم بما يمليه عليه الواجب من أداء فروض الشكر لمن رعاه طيلة هذه المدة نراه يتهمه بما بينّاه من الاختلاس ، وعدم وصول حقه كاملاً إليه.
لذلك كانت الآية الكريمة تدفع بالأولياء ، وتهيب بهم أن يلتزموا جانب الحيطة ، والتدبير لأنفسهم بالإِشهاد وإطلاع الغير على عملية تسليم المال إلى ذوي العلاقة فراداً مما قد يقع فيه من محذور الاتهام نتيجة إحسانه وأتعابه.
(فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِاللهِ حَسِيبًا )سورة النساء : آية ٦.
فكما كانت الشريعة تحافظ على حقوق الضعفاء من تلاعب الأقوياء كذلك تقضي الرحمة الإلهية أن تحمي الأقوياء من اتهام الضعفاء ، والتنكر لهم ، فرعاية المصلحة العامة ، وملاحظة الصالح العام تأخذ بنظر الاعتبار كل الجوانب.
8 ـ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (8) النساء
ولم يترك الكتاب الكريم جانباً من جوانب إنعاش اليتيم إلا وتعرض إليه ، وهذه الآية الكريمة تصور لنا مشهداً مألوفاً لنا طالما نرى مثله في حياتنا اليومية حيث يتجمع الضعفاء في كل مكان يرجون فيه خيراً من طعام ، أو كساء أو ما شاكل.
وقد اختلف المفسرون في مجلس القسمة والذي يحضره هؤلاء الضعفاء من أولى القربى ، واليتامى ، والمساكين فهل هو مجلس تقسيم الميراث ، أو هو مجلس الوصية حيث يقسم الميت ما يستحقه من المال بعد وفاته ؟.
فقيل : أن المراد بذلك حضور الضعفاء من الأصناف المذكورة مجلس القسمة لميراث الميت فقد يتفق أن يحضر أقرباء الميت ممن لا ينالهم من الميراث شيء ، وهكذا من لف لفهم من اليتامى ، والمساكين يرجون أن ينالهم شيء من ذلك المال.
وعلى هذا التفسير ، فيكون الخطاب في قوله تعالى ـ فَارْزُقُوهُم ـ موجهاً إلى الورثة الذين يستحقون الميراث بأن يأخذوا بعين الاعتبار رعاية هؤلاء الذين تجمعهم مع الميت وشائج النسب ، والرحم ولم تشملهم الفرائض الميراثية لوجود ممن هو أسبق منهم من الطبقات الميراثية.
وذهب بعض المفسرين : إلى أن المجلس المذكور هو مجلس الوصية ، وحينئذ فيكون الخطاب موجهاً إلى ( المورثين ) وهم من تحضرهم الوفاة فقد أمروا أن لا يغفلوا ذوي قرباهم حين الوصية امتثالاً لما أوصى به الله من رعاية الأرحام ، وتفقدهم وكذلك اليتامى ، والمساكين.
ولأي من التفسيرين يميل الباحث فان الآية الكريمة لا شك أنها لاحظت بإطارها العام جانب المعوزين ولم تتركهم حتى في حالة عدم استحقاقهم الشرعي وخاطبت الورثة ، أو المورث. على الخلاف فيه بلزوم رعاية المحتاجين من أرحامهم ليحققوا بذلك غاية نبيلة إنسانية.
وتكون النتائج الحتمية لهذه العملية هي تقوية أواصر المحبة ، والود بين أفراد الأسرة الواحدة والتي تجمع أفرادها وحدة النسب ، والسبب.
وكان اليتامى على التفسيرين من جملة من شملهم العطف الإِلهي في هذه الوصية المقدسة.
9 ـ (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) النساء:1010 ـ (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) النساء:36
وقد تركز القسم الثالث على بيان حقوقه المالية.
11 ـ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) الأنعام12 ـ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) الأنفال13 ـ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً (34) الإسراء14 ـ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82) الكهف
15 ـ مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر
16 ـ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) الإنسان
17 ـ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) الفجر
وفي هذه الآية الكريمة يبدو لنا واضحاً ما ترمي إليه من تصحيح المفاهيم الخاطئة والتي يبني البعض عليها الجوانب التي يتطلع إليها في حياته اليومية فقد جاءت هذه الآية تعقيباً لما يتصوره البعض من ذلك.
(فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ).
لقد جعل الإنسان هذا المقياس ركيزة يبني عليها واقعه الاجتماعي حيث يصرح بأن توفير الخير عليه هو لكرامته عند الله بينما يعتبر التقتير عليه مادياً إهانة له من الله.
18 ـ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) البلد19 ـ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) الضحى
20 ـ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) الضحى
وهناك جهة عالجها الشارع ، فأولاها عناية وأكد عليها وهي الإِرفاق باليتيم في التحدث معه ، والابتسامة في وجهه لتبعد بذلك عنه الانكسار الذي يشعر به ، والذل الذي يحيط به من جميع جوانبه.
درس بليغ في التحذير من قهر اليتيم فلماذا هذا التطاول عليه ، ولماذا هذا العبوس في وجهه وهو صبي لا ذنب له.
أكرم اليتيم ولا تقهره ففي كنف الإسلام يأمن الضعيف.
وفي رعاية التشريع يجد اليتيم تلك اليد الرقيقة التي تحنو عليه ، وتمسح على رأسه لتزيل عنه غبار اليتم ، وتضفي عليه هالة من العطف ، والحنان.
21 ـ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) الماعون

 

فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه
الفرع الثاني
اليتيم ومفهوم العدل
نتناول هنا اليتيم من الجهتين الاجتماعية والمالية..وذلك من خلال النصف الثاني من الآية الكريمة التي نحن بصدها حيث يقول سبحانه وتعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء:3
(فَانكِحُواْ)..النكاح هنا هو الزواج.
(مَا طَابَ لَكُم).. أي ما قوبل بطيب نفس منكم ومن هؤلاء النسوة بحيث يتم الزواج منهن دون إكراه أو استغلال.
والمدقق في الآية الكريمة يجد أن النساء هنا جمعٌ مفرده امرأة وهي كل أنثى اكتملت أنوثتها وبلغت سن الحلم لقوله (فانكحوا).
مثنى وثلاث ورباع، هنا أورد المثنى والثلاث والرباع لينفي الجمع وهو العدد 9 كما أوردتها بعض الاجتهادات، فنقول: جاء القوم مثنى مثنى وثلاث ثلاث وأربع أربع وهذا لا يعني أنهم جاؤوا خمس.
ننتهي الآن إلى العبارة الأخيرة في الآية (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء : 3..
نأخذ مفردات اللغة في الآية الكريمة:
العدل هنا المقصود به هو التسوية في المعاملة والأحكام والقيم والمقادير بين طرفين ومنه المعادلة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وهو يختلف عن القسط كما أسلفنا، فالقاضي وهو طرف أول يعدل بين طرفين وهما الخصمان.
والسؤال: العدل المطلوب بين من ومن؟..
أدنى: أقرب.
العَوْل: العول لغة الارتفاع .
يقال: عال الميزان إذا ارتفع ، ويأتي أيضاً بمعنى الجَوْر والميل عن الحق وهو الافتقار والمقصود هو كفالة اليتيم في معاشه وهو كثرة العيال.
العول لغة واصطلاحاً:
للعول في اللغة معاني متعددة أو معنى واحد، له مصاديق مختلفة، فيُستعمل في الموارد التالية:.
1 ـ الفاقة والحاجة يقال: عال، يعيل، عيلة: إذا احتاج ، قال سبحانه: ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً )التوبة: 28.
2 ـ الميل إلى الجور، قال سبحانه: ( ذلكَ أَدْنى أَنْ لا تَعُولُوا ) النساء: 3.
3 ـ النقصان: يقال: عال الميزان عولاً فهو عائل إذا نقص.
4 ـ الارتفاع: يقال: عالت الناقة بذنبها إذا رفعته، ومنه العويل وهو ارتفاع الصوت بالبكاء.
إلى غير ذلك ممّا ذكره أصحاب المعاجم. انظر اللسان:11/481ـ 484; المصباح المنير:2/ 599.
وعليه فيقع العَوْل بمعانيه الثلاثة وهي: الجَوْر والافتقار وكفالة العيال في معاشهم
وأمّا اصطلاحاً فهو عبارة عن زيادة السهام المفروضة في الكتاب على مبلغ المال، أو نقصان المال عن السهام المفروضة.
تلك هي معاني المفردات التي على القارئ أن لا يخرج عنها وهو يتأمل الآية متفكراً ومتدبراً ليصل إلى المعنى المقصود بها ومنها.
فلقد رسم الله سبحانه للمؤمنين عبر الآيات المحكمات صورة التعامل مع اليتامى فأمر بأشياء ونهى عن أخرى، وكان من الطبيعي أن يدخل الخوف إلى قلوب بعضهم من ألا يستطيعوا القيام بهذه الأوامر والنواهي خير قيام في ضوء الممارسة الفعلية.
فإن تركوهم مع أمهم صعب عليهم رعايتهم في المأكل والملبس والمسكن، وإن هم جاؤوا بهم ليقسطوا لهم حسب أمر الله ورسوله حرموهم من حنان الأم.
هنا جاءت آية النساء 3 لتضع حداً لهذا التخوف وحلاً لهذه المشكلة.
جاءت لتتحدث عن كيفية كفالة الأيتام وذلك بأن تجعل الكفيل لهم يتزوج من أمهم بشرط أن يكون هو متزوجاً ومن هنا جاء التعدد فهي لم تجيء لتسمح بتعدد الزوجات فحسب بل لتأمر به وذلك ضمن أربعة شروط:
1 ـ أن يكون الرجل متزوجاً غير عازب، بدليل أن التعددية في الآية بدأت بثانية ثم بثالثة ثم برابعة.
وبدليل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستحب للشاب العازب من أصحابه أن يتزوج بكراً صغيرة السن يلاعبها وتلاعبه.
وشاهدُنا ما رواه البخاري في صحيحه
عَنْ جَابرٍقَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ) يَا جَابِرُ ، أَتَزَوَّجْتَ ؟ ” ، قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : ” بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ؟ ” ، قَالَ : قُلْتُ : لا ، بَلْ ثَيِّبًا ، قَالَ : ” فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا ؟ ” ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ ، وَهُنَّ لِي تِسْعُ أَخَوَاتٍ ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَجَمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ ، وَلَكِنِ امْرَأَةً تُمَشِّطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ ، قَالَ : ” أَصَبْتَ). فإن رغب بنفسه أن يتزوج أرملة ذات أيتام فنقول له: بارك الله فيك.
2 ـ أن تكون المرأة أرملة ذات يتامى، والدليل هنا عقلي ومنطقي.
فالتعددية التي أمرت بها الآية جاءت بالأساس لهدف بعينه هو ضمان الإقساط في اليتامى، والإقساط في اليتامى لا يتحقق إلا بالزواج من أمهم الأرملة وليس من غيرها، تماماً كما لا يتحقق النجاح إلا بالاجتهاد في قولنا: إن تجتهد تنجح.
3 ـ أن يكون الزواج عن طيب نفس من الرجال ومن النساء صاحبات العلاقة، أي بعيداً عن الغصب والقهر، سليماً من الاستغلال، لا يجوز فيه انتهاز فرصة الحاجة عند الأرملة وأيتامها كوسيلة ضغط لانتزاع موافقتها على الزواج.
وإذا كان طيب النفس شرطاً لا يجوز التغاضي عنه في جميع أنواع العقود بمختلف مواضيعها، من شراء الأحذية وبيع النفط إلى عقود الصلح ومعاهدات السلام، فهو في مجال الزواج أشد إلحاحاً وأكثر أهمية.
فكما أن التجارة لا تكون إلا عن تراض – حسب منطوق الآية 29 من سورة النساء
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)النساء:29
– وكما أن الفصال لا يكون إلا عن تراض كما في آية البقرة 233،
( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)البقرة:233
كذلك الزواج لا يكون إلا عن طيب نفس ورضى.
4 ـ ألا تؤدي هذه التعددية إلى الوقوع في العَوْل بمعانيه الثلاثة التي أشرنا إليها آنفاً: الجَوْر والافتقار وكفالة العيال في معاشهم، إذ ليس من العقل في شيء أن نعالج مشكلة ما بحل يتسبب في خلق مشكلة أخرى، حيث أن العدل المطلوب في الآية هو بين اليتامى وبين أولاده، لا بين الزوجات كما يدعى السادة الفقهاء، وبما أن العدل المطلوب هو بين الأولاد وهو طلب ممكن، قال إن العدل بين الزوجات مستحيل وغير مطلوب أصلاً بناء على قوله تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ)النساء : 129، ولا علاقة لهذه الآية بقوله تعالى(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ)النساء : 3.
هذا ليس ما نفهمه نحن وحدنا من الآية، بل ما يجب أن يفهمه كل مسلم عاقل، ومع ذلك:
فلننظر إلى العلاقة الشرطية الرابطة وجوباً بين التعددية والإقساط، أي بين فعل الشرط وجزاؤه، وأن الجزاء لا بد وأن يكون من جنس العمل، والقاسم المشترك الوحيد بين اليتامى والتعددية هو أمهات اليتامى.
فما معنى القيامة بالقسط؟.
والقسط – بالكسر – تعني العدل.
وتختلف عن (القَسط ) – بفتح القاف – وهو يعني الجور، قَسَط – يقْسِط أي عدل، وقسط يَقْسُط، أي جار، فالعدل مصدره ( القِسط ) بالكسر للقاف، والجور مصدره ( القَسط ) بالفتح للقاف.
يقول سبحانه وتعالى: (وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً)الجن: 15
ويقول سبحانه وتعالى عن العادلينإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ)المائدة: 42

وعندما نرى ” أقسط ” نراها تبدأ بهمزة الإزالة، أي كان هناك جور فأزلناه. أما القِسط – بالكسر – فهو العدل من البداية هو ” يقسِط “. بكسر السين في المضارع، أما يقسُط – بضم السين في المضارع – تعني ” يجور ويظلم “.
والحق سبحانه وتعالى يقول: ( وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ ) وجاء الحكم في قوله الحق:
(وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ( النساء: 2
وقوله الحق: ( وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ ) هو أمر بأن يقوم المؤمن على أمر اليتامى بالعدل بينه وبين أولاده حال تزوج أمهم؛ لأن الولي قد يصبغ على أولاده من الحنان ما يفرق به بينه وبين أولاد زوجته أم الأيتام فيجور عليهم ولا هم له إلا بالحصول على اموالهم.
ومن ثم ينبه الحق أن رعايته للأيتام يجب أن تتسم بالعدل، ويقول سبحانه:
)
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً ) ليدلنا على أن أمر الفعل والقيام به ليس مناط الجزاء، ولكن أمر النية في الفعل هو مناط الجزاء، فإياك أيها المؤمن أن تقول: فعلت، ولكن قل: فعلت بنيّة كذا
.
إن الذي يمسح على رأس اليتيم يكون صاحب حظ عظيم في الثواب، ومن يكفل اليتيم فهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
والذي يقدر ذلك هو الله سبحانه وتعالى العليم بالخفايا حسب نية الشخص الذي يقوم بهذا العمل؛ فقد يتقرب واحد من يتيم ويتكلف العطف والحنان بينما يقصد التقرب إلى أم اليتيم؛ لذلك فمناط الجزاء ومناط الثواب هو في النيّة الدافعة والباعثة على العمل.
ولا يكفي أن يقول الإنسان: إن نيّتي طيبة، ولا يعمل؛ فالحديث الشريف يقول:
(عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )متفق عليه.
أي لا بد من ارتباط واقتران النيّة بالعمل؛ لأن الله يريد منا أن نعمل الخير وبذلك يعدي الإنسان الخير من نفسه إلى غيره وهذا هو المطلوب، فوجود النيّة للخير وحدها لا يكفي، وإن افتقد الإنسان النيّة وأدّى العمل فغيره يأخذ خيره ولا يأخذ هو شيئاً سوى التعب.
فإن أراد الإنسان أن يكون له ثواب فلا بد من وجود نيّة طيبة، وعمل صالح.
دققوا مرة أخرى في قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً )..
ولم يقل الحق: )وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيم) ؛ لأنه سبحانه عليم لا بعد أن نصنع العمل بل بكمال قدرته يعلم قبل أن نصنع الخير، وكل شيء كان معلوماً لله قبل أن يخلق الوجود، ولا ينتظر سبحانه إلى أن يقوم الإنسان بالعمل حتى يحصل ويحدث منه العلم.
بل إنه جل شأنه يعلم كل شيء علما أزليّا؛ لذلك قال: ( فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً )؛ لأن كل أمر برز في الوجود إنما كان على وفق ما علمه الله أزلاً قبل أن يوجد الوجود)وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً )..
وعليه فحينما نزلت سورة النساء وشددت الحديث عن اليتامى وأموال اليتامى بقوله تعالى:
(وآتوا اليَتامَى أمْوَالَهمْ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالَهمْ إلـى أمْوَالِكمْ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا).النساء 2، خاف المؤمنون من الاقتراب من مال اليتيم سواء ذكراً كان أو أنثى، ومن ثم فإنه يتعين علينا النظر في هذه الآية من عدة أوجه:
1ـ حيث أشكل الأمر على بعض الصحابة في العلاقة بين الفعل والجزاء في الآية الكريمة..
وجاءت الآية التالية لها مباشرة لتحدد طبيعة تلك العلاقة..ولكن سياق الآية الذي يحددها يبدو عجيباً..حيث يقول سبحانه وتعالى ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)النساء:3
فقوله تعالى (وَإِنْ) أداة شرط..فلابد لها من جواب الشرط حتى تكملها..وجواب الشرط هنا هو (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)..
وعليه فما العلاقة بين الخوف من عدم العدل بين اليتامى وبين تعدّد الزوجات ؟.
قالوا في كتب التفاسير:
روى عن عروة أنّه قال : قلت لعائشة ما معنى هذه الآية ؟
قالت : يا أبن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها فيرغب في مالها وجمالها ، إلا أنه يريد أن ينحكها بأقل من صداقها ، ثم يسئ معاملتها بعد الزواج لأنّه ليس لها من يدفع عنها فقال تعالى “إن خفتم ظلم اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن” التفسير الكبير للفخر الرازي جـ9 ص 177 .
2ـ وجاء في تفسير الطبري عند قوله تعالى( كانَ حُوبا كَبِيرا).قوله رحمه الله:
“إنه “أي الأكل” كان حوبا كبيرا” (أي إثما كبيرا)؛ عن ابن عباس والحسن وغيرهما.
يقال: حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم. وأصله الزجر للإبل؛ فسمي الإثم حوبا؛ لأنه يزجر عنه وبه.
ويقال في الدعاء: اللهم اغفر حوبتي؛ أي إثمي.
والحوبة أيضا الحاجة.
ومنه في الدعاء: إليك أرفع حوبتي؛ أي حاجتي.
والحوب الوحشة؛ ومنه قوله صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي أيوب: (إن طلاق أم أيوب لحوب).
وقال صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة) يعني العادلين.
وقرأ ابن وثاب والنخعي “تقسطوا” بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة “لا” كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا.
يقول سبحانه وتعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)النساء:3
تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ.
وقال: إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة؛ بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها؛ لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا.
وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر؛ لقوله تعالى: “ويستفتونك في النساء” [النساء: 127] والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير؛ فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة.
وقد قال: “في يتامى النساء” [النساء: 127] والمراد به هناك اليتامى هنا؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها.
وكما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النبي صلى صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حيث ذهبت أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي تكره ذلك.
فقال قدامة: يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته.
فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها)..
فأمره النبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يفارقها ففارقها.
وقال: (ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها).. فتزوجها بعد عبد الله بن عمر، المغيرة بن شعبة..
قال الدارقطني: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه. ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبد الله بن عمر..
فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح.
قلت(زهدي كاتب الموضوع):
وأرجو التأمل في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها)..
وذلك بعد قول قدامة: (يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته.)..
فالآية تتناول حكما من أحكام زواج اليتيمة
ورد في سنن ابن ماجه باب ما جاء في فضل النكاح حديث رقم 1837
حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ نَرَ ِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ.
الحديث رواه ابن ماجة‏(1847)‏ والحاكم‏2/160‏ وصححه علي شرط مسلم ووافقه الذهبي والبيهقي في السنن‏7/78‏ والطبراني وابن أبي شيبة وغيرهم من أكثر من طريق‏,‏ وذكره الألباني في الصحيحة برقم‏(624)‏ وقد روي في سبب وروده‏:‏ أن رجلا جاء إلي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ فقال‏:‏ إن عندنا يتيمة وقد خطبها رجل معدم ورجل موسر وهي تهوي المعدم ونحن نهوي الموسر فقال‏:’‏ لم ير للمتحابين مثل النكاح‏’‏ ولكن القصة في سندها راو مجهول‏.
فالحديث مرسل..
ومما ذكره لله تعالى في الندب إلى سرعة النكاح حتى لو كان المحتاج إليه فقيرا قوله تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الايَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور : 32.
الأيامى جمع أيم ، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثم فارق ، أو لم يتزوج واحد منهما حكاه الجوهري عن أهل اللغة ، يقال رجل أيم وامرأة أيم.
وقوله تعالى(إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور : 32..
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى فقال : ” إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله” .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد الأزرق حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد – يعني ابن عبد العزيز – قال بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى ، قال تعالى : ” إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله”.
وعن ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح ، يقول الله تعالى( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور : 32. رواه ابن جرير وذكر البغوي عن عمر نحوه .
حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ نَرَ ِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ.
جاء في سبب هذا الحديث ما أخرجه ابن شاذان في المشيخة الصغرى .. ومن طريقه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص511) عن أبي الفوارس عنحيان بن بشر عن أحمد بن حرب الطائي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بنعبد الله قال: جاء رجلٌ إلى النبي فقال:
يا رسول الله إن عندنا يتيمة قد خطبهارجلان؛ موسِرٌ ومُعسر، هي تهوى المُعسِر، ونحن نهوى المُوسر، فقال رسول الله : “لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح”. ..أي أنكحوها للمعسر..
الفهم الظاهر للآية الكريمة كما هو في كتب التفاسير:
أى فإن خفتم أيها المؤمنون ألا ترفعوا الجور عن اليتامى فابتعدوا عنهم وليسد كل مؤمن هذه الذريعة أمام نفسه حتى لا تحدثه نفسه بأن يجور على اليتيمة فيظلمها إذا تزوجها.
وإن أراد الرجل أن يتزوج فأمامه من غير اليتامى الكثير من النساء.
ومادامت النساء كثيرات فالتعدد يصبح واردا، فهو لم يقل: اترك واحدة وخذ واحدة، لكنه أوضح: اترك اليتيمة وأمامك النساء الكثيرات.
إنه سبحانه يريد أن يزهد الناس في نكاح اليتيمات مخافة أن تأتى إلى الرجل لحظة ضعف فيتزوج اليتيمة ظالما لها، فأوضح سبحانه وتعالى : اترك اليتيمة، والنساء غيرها كثير، فأمامك مثنى وثلاث ورباع، وابتعد عن اليتيمة حتى لا تكون طامعا في مالها أو لأنها لم يعد لها وليّ يقوم على شأنها غيرك.
إذن فقد ناسب الحال أن تجيء مسألة التعدد هنا، لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يرد الرجل الولي عن نكاح اليتيمات مخافة أن يظلمهن، فأمره بأن يترك الزواج من اليتيمة الضعيفة؛ لأن النساء غيرها كثيرات.
( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) النساء : 3
هذا هو الفهم الطبيعي للآية عند كافة المفسرين..
أما الأمر عندي فبخلاف ذلك..
كيف
دعوني أشرح لكم
فبعض سور القرآن الكريم نزل آخرها قبل أوّلها، وبعض قصص القرءان الكريم كذلك .
فسورة الممتحنة مثلاً.. نزل آخرها ضمن موضوع ( صلح الحديبية ) وصلح الحديبية كان في ذي القعدة من سنة ست للهجرة ..
فقد جاء في شروط الصلح أن من يأتي للنبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهل مكة مسلماَ فعلى النبي أن يردّه لمكة . ومن ذهب من المسلمين إلى مكة مرتداَ لا تردّه قريش .
وحدث ما حدث بين المسلمين ، وعاد النبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة وقد هاجر إليه جمع من النساء تقودهن السيدة أم كلثوم بنت عقبة، فهل يردهن النبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسب شروط الصلح ؟.
هنا قال القرءان الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)الممتحنة: 10.
بل أباح القرءان أن يتزوج المسلم بها غير محترم للزواج الأول بالكافر لاختلاف الدين إيماناَ وشركاَ .
قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) الممتحنة 10.
فهذا المقطع من السورة نزل في السنة السادسة من الهجرة ، بينما أوّل آية من السورة الكريمة نزل بسبب موضوع ( حاطب بن أبي بلعته ) عندما أفشى سر النبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأرسل إلى قريش يخبرهم بأن النبي في الطريق إليهم ،والقصة مشهورة في كتب السيرة وفي التفاسير .
أول آية نزلت في طريق النبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة .
قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) أول الممتحنة .
فآخر السورة نزل قبل أولها بعدّة سنوات…
كذلك سورة المزمل..
نجد أن آخر السورة نزل في المدينة:
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)المزمل:20
في حين أن أول السورة جاءت في البدايات الأولى من الوحي: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وطئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا. إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)المزمل : 1 ـ 9
والقصة القرءانية كذلك.. فقد ينزل آخر القصة قبل أوّلها .
واخترت لهذا قصة البقرة في عهد موسى عليه السلام . نزل آخرها ..
( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)سورة البقرة: 67.
والحوار موجود بين موسى وبني إسرائيل.
ومعلوم أن هذا حدث بعد أن قتل رجل من بني إسرائيل واختلفوا في قاتله فأمر الله موسى أن يذبحوا بقرة ويضربوا المقتول ببعضها .
فأوّل القصة في الآية 72 من السورة الكريمة بينما آخرها متقدّم في الآية 67 ” (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{72} فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة: 72.
إنّ الزمن عند الله يختلف عن الزمن عندنا.
وبعد :
فليس الأصل في ترتيب الآيات في المصحف هو وقت نزول الآية ، ولكن الأصل هو مطابقة المصحف الذي بين أيدينا للمصحف الأصل الذي في اللوح المحفوظ والذي لا يمسّه إلا المطهرون من الملائكة .
فالمصحف الذي بين أيدينا يطابق مصحف الملأ الأعلى الذي أوّله الفاتحة ثم سورة البقرة وآخرة سورة الناس. ولولا هذا لكان مصحفنا قد رتّب حسب ترتيب النزول – أول آية في سورة ( اقرأ )..وآخر أية: (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) البقرة: 281 ..
فمن أعلم النبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الترتيب ؟
الإجابة سهلة وهي أن جبريل كان ينزل في كل عام في ( رمضان ) ويراجع مع النبي صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما نزل من القرآن .
وآيات القرآن تشهد بهذا. (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ*لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) الواقعة: 77 ـ 80.
والمطهّرون هم الملائكة، أما البشر فمتطهّرون( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)البقرة:222
(إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) سورة البقرة 222
وفي آخر سورة البروج جاء قوله تعالى: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ)البروج:21 ـ 22..
وهكذا في كل عموم القرءان الكريم..
وعليه فإن قولهم أن الآية نزلت ليس للذين يخافون ألا يقسطوا في اليتامى بل للذين يرغبون في الزواج منهن، وهذا في يقيني خطأ لأن الآية الكريمة والتي نحن بصددها(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)النساء:3 والموجودة في أول السورة إنما كانت تعقيبا على الآية الكريمة التي في آخرها والتي تتحدث عن يتامى النساء وبذلك يستقيم المعنى..
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً)النساء: 127.
فالآية 127 من السورة في ترتيب النزول نزلت قبل الآية رقم 3 من السورة..
ومن ثم كان التعقيب على قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ)..مباشرة ـ وبدون وجود علامة الوقف ـ قوله تعالى:
(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ )..ولأن ترتيب النزول يختلف عن ترتيب السور والآيات في المصحف وجدنا الفاء هنا في قوله تعالى (فَانْكِحُوا) معطوفة على محذوف تقديره (يَتَامَى النِّسَاء)..وذلك من قوله تعالى كما قلنا في الآية 127(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً).
والمدقق في قوله تعالي(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ)..
(ويستفتونك ) أي يطلبون الفتيا، ونعرف أن الدين قد مرّ بمراحل منها قول الحق: (يسألونك).
وهي تعبير عن سؤال المؤمنين في مواضع كثيرة.
ومرحلة ثانية هي: ( ويستفتونك ). وما الفارق بين الاثنين؟
لقد سألوا عن الخمر والأهلَّة والمحيض والإنفاق.
والسؤال هو لرسول الله اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أنه قال: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)صحيح البخاري وغيره.
وعَنْ أَبِيْ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ جُرثُومِ بنِ نَاشِرٍ رضي الله عنه عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَقَالَ (إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودَاً فَلا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا( حديث حسن أخرجه الدارقطني – ج4/ص185.
أي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَطلب منهم ألاّ ينبشوا وألاّ يُفتشوا في أشياء قد يجلبون بها على أنفسهم تكاليف جديدة، ومع ذلك سألوه عن رغبة في معرفة أي حكم يحدد حركة الإنسان في الحياة.
ولو كانوا لا يريدون تحديد حركة حياتهم فلماذا يسألونه؟.
كان السؤال دليلاً على أن السائل قد عشق منهج الله فأحب أن يجعل منهج الله مسيطرا على كل أفعاله، فالشيء الذي أجمله وأوجزه الله يحب أن يسأل عنه.
أما الاستفتاء فهو عن أمر قد يوجد فيه حكم ملتبس، ولذلك يقول الواحد في أمر ما: فلنستفت عالماً في هذا الأمر؛ لأن معنى الاستفتاء عدم قدرة واحد من الناس أو جماعة منهم في استنباط حكم أو معرفة هذا الحكم، ولذلك يردون هذا الأمر إلى أهله.
والحق سبحانه وتعالى يقول:
(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)سورة النساء: 83
الاستفتاء – إذن – يكون لحكم موجود، ولكن المستفتي لا يملك القدرة على استنباطه.
والفرق بين السؤال والفتوى هو أن السؤال يكون محل العمل الرتيب، أما الفتوى فهي أمر ليس المطلوب أن تكون المعرفة به عامة. ولذلك يتجه المستفتي إلى أهل الذكر طالباً الفتيا.
والحق يقول: ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ ) كأنهم قالوا للرسول: نريد حكم الله فيما يتعلق بالنساء حلاً وحرمة وتصرفاً.
فكيف يكون الجواب؟: ( قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ) ولم يؤجل الله الفتوى لاستفتائهم بل سبق أن قاله، وعلى الرغم من ذلك فإنه – سبحانه – يفتيهم من جديد.
فلعل الحكم الذي نزل أولاً ليس على بالهم أو ليسوا على ذكر منه(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء:3.
فقال الحق سبحانه وتعالى:
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ)
النساء: 127
والمدقق في قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)النساء:3
يجد أن هذه الآية نزلت ليس للذين يخافون ألا يقسطوا في اليتامى بل للذين يرغبون في الزواج منهن، وذلك لقوله تعالى من سورة النساء الآية 127(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً)..
حيث ورد في هذه الآية مصطلح (يَتَامَى النِّسَاء)..
ويتامى النساء لا تعني النساء اليتامى، فهناك فرق كبير بين كتاب التاريخ، وتاريخ الكتاب، فهنا واضح تماماً بأن النساء هن أمهات اليتامى، واليتامى عائدتهم للنساء، وأن التنزيل الحكيم عفى الرجل من دفع المهر للأرملة أم الأيتام بشرط أن يقسط لليتيم(وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ).
وقال آخرون أن الآية نزلت ليس للذين يرغبون في الزواج منهن،ولكن للذين يخافون ألا يقسطوا في اليتامى ..
وهذا خطأ لأن الآية الكريمة والتي نحن بصددها(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)النساء:3
نجد أن التعقيب على قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ)..
مباشرة وبدون وقف قوله تعالى:
(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ )
والفاء في قوله تعالى (فَانْكِحُوا) معطوفة على محذوف تقديرة (يَتَامَى النِّسَاء)..وذلك من قوله تعالى في الآية 127(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً).
إذ أن قوله تعالى(فَانْكِحُوا) نجد أن الفاء تقع ضمن باب العطف على المحذوف..
كيف؟..
دعني اشرح لك..
الفرق بين الفاء وغيرها
المتأمل في قوله تعالى:
(يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا) النساء:11.
فالفرق بين الفاء وغيرها في هذه الآية الكريمة، أنها تفيد ارتباط الجملتين بعضهما لبعض، ولهذا يستدل بأن الإخوة مع الأب والأم يحجبونها من الثلث إلى السدس مع أنهم لا يرثون ؛ لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ )النساء:11.
تأمل
(فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ )..ماذا يحدث
(فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ )..
إذاً: لو قلنا: بدل الفاء بالواو لا يصح، ولو جئنا بدلها بثم لم يصح، ولو جئنا بدلها بأو لم يصح.
فهذه مربوطة بالتي قبلها، (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ )النساء:11.
قال ابن مالك : [ والفاء قد تحذف مع ما عطفت والواو إذ لا لبس وهي انفردت ].
يعني: تحذف الفاء مع معطوفها، ولكن بشرط أن يؤمن اللبس، فإن لم يؤمن اللبس لم يجز الحذف، وقد ذكر ابن مالك قاعدة في هذا مفيدة وهو قوله: (وحذف ما يعلم جائز) وهي قاعدة من أصول النحو.
فإذا علم المعطوف فإن الفاء قد تحذف مع معطوفها، ومثلوا لذلك بقوله تعالى:
(وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )البقرة:185، قالوا إن التقدير: فأفطر، فحذفت الفاء ومعطوفها، وهذا لا لبس فيه؛ لأنه من المعلوم أنه لا تجب العدة إلا أذا أفطر، أما إذا صام فلا عدة.
وكذلك قوله تعالى:
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَّاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَّشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)البقرة : 213
الفاء في قوله تعالى (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) عطف على محذوف:
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَّاحِدَةً ـ فيها محذوف تقديره فَاخْتَلَفُوا ـ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَّشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)..هذه الفاء شرحته الآية التالية:
(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَّاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)يونس:19
وكذلك قوله سبحانه وتعالى:
(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)البقرة : 196
المتأمل في قوله تعالى : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ)
هنا تجد قوله تعالى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)
فالفاء في قوله تعالى (فَفِدْيَةٌ) معطوفة على محذوف تقديره ..فحلق..
كذلك أيضاً الواو قد تحذف مع معطوفها؛ لكن بشرط ألا يوجد لبسٌ، ومثاله: راكب الناقةِ طَلِيحان، والتقدير: راكب الناقة والناقة طليحان، يعني: ضعيفان.
قالوا: والدليل على أنه محذوف أن (طليحان) مثنى وراكب الناقةِ مفرد، ولا يخبر بالمثنى عن المفرد، أي: فهناك شيء محذوف.
وقوله: (والواو إذ لا لبس وهي انفردت) يعني: أن الواو انفردت عن بقية حروف العطف بعطف عامل مزال قد بقى معموله، فيكون العامل محذوفاً والمعمول باقياً، ومثلوا لذلك بقول الشاعر: إذا ما الغانيات برزت يوماً وزججن الحواجب والعيونا.
والتزجيج معناه: أنها تقص منها حتى تكون كالزج وهو طرف الرمح، ولكن العيون لا تزجج، فيكون التقدير: زججن الحواجبَ وكحلنا العيون.
قالوا: ومنه قوله تعالى: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) البقرة:35.
فقالوا: لأن زوج لا تصلح أن تعطف على الضمير في اسكن؛ لأن (اسكن) فعل أمر ولا يمكن أن يكون فاعله ظاهراً، فإذا لم يمكن أن يكون فاعله ظاهراً فإنه يعطف عليه ظاهر، والتقدير: اسكن أنت وليسكن زوجك الجنة. وهذا لا شك أنه تكلف.
قال ابن مالك : [ وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح ].
في باب العطف عندنا تابع ومتبوع، فالمتبوع هو المعطوف عليه، والتابع المعطوف وابن مالك يقول: المتبوع إذا كان ظاهراً فاستبح حذف المتبوع إذا كان ظاهراً بيناً.
ومثلوا لذلك بقوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا )غافر:21، وقالوا: إن التقدير
( فغفلوا ولم يسيروا في الأرض) فهنا حذف المتبوع وأبقى التابع.
وقد سبق لنا أن لعلماء النحو في مثل هذا التركيب وجهين: أحدهما: ما ذكر أن الهمزة داخلة على محذوف مقدر بحسب السياق.
الثاني: أن الهمزة مقدمة وأن محلها بعد العاطف، لكن قدمت لأن لها الصدارة، وأن هذه الجملة استفهامية معطوفة على ما سبق وأن أصل (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا): (وألم يسيروا) فلا يكون هناك شيء محذوف.
وقلنا فيما سبق: إن هذا الرأي أرجح؛ لأننا نسلم به من التقدير؛ ولأنه في بعض الآيات لا تستطيع أن تقدر شيئاً، وهذا الشيء المقدر إنما يقدر مما يفهم من السياق، وإذا كان السياق سيفهمنا إياه فلا حاجه إلى تقديره.
فقوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا ) الاستفهام للتوبيخ ولا توبيخ إلا على غفلة، فتكون الغفلة مستفادة من مجرد الاستفهام وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير، وأهم شيء عندي في هذا الموضوع هو أنه أحياناً يعييك التقدير فلا تستطيع أن تقدر الكلام، وحينئذ فنقول: الأرجح أن تكون الهمزة من بعد الواو، لكنها قدمت عليها؛ لأن همزة الاستفهام لها الصدارة.
وهكذا رأينا أن الفاء تأتي في معظم عموم القرءان الكريم معطوفة على محذوف..
عودة لما هو في سورة النساء..يقول سبحانه وتعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)النساء:3
الفاء في قوله عز وجل (فَانْكِحُوا)معطوفة على محذوف القصد منه الأم كافلة الأيتام..كما هو وارد في الآية الكريمة رقم 127من نفس السورة.
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا )النساء : 127
فهذه الفاء هي عطف تشريع على إيمان وحكمة وعظة .
ولعلّ هذا الاستفتاء حدث حين نزول الآيات السابقة ـ فذكر حكمه عقبها معطوفاً ـ وهذا الاستفتاء حصل من المسلمين بعد أن نزل قوله ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)النساء : 3
وقوله : (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ)وعد باستيفاء الإجابة عن الاستفتاء ، وهو ضرب من تبشير السائل المتحيّر بأنّه قد وجد طلبه
وقوله : (وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ)عطف على اسم الجلالة ، أي ويفتيكم فيهنّ ما يتلى عليكم في الكتاب ، أي القرآن.
وإسناد الإفتاء إلى ما يُتلى إسناد مجازي ، لأنّ ما يتلى دالّ على إفتاء الله فهو سبب فيه ، فآل المعنى إلى : قل الله يفتيكم فيهنّ بما يتلى عليكم في الكتاب ، والمراد بذلك بما تلي عليهم من أوّل السورة ، وما سيتلى بعد ذلك ، فإنّ التذكير به وتكريره إفتاء به مرّة ثانية ، وما أتبع به من الأحكام إفتاء أيضاً .
كما أنه قد ورد في هذه الآية مصطلح (يَتَامَى النِّسَاء).. ويتامى النساء لا تعني النساء اليتامى، فهناك فرق كبير بين كتاب التاريخ، وتاريخ الكتاب.
فقوله تعالى (يَتَامَى النِّسَاء).. غير (اليَتَامَى مِنَ النِّسَاء)..
وهكذا يتضح لك بأن المراد بيتامى النساء هن النساء الكافلات لليتيم، ويدل لذلك السياق القرآني فقد وصفهن بالموصول الدال على الجمع المؤنث وهو اللاتي ورد عليهن الضمير الدال على جمع الإناث في قوله تعالى: (الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ(النساء:127
و(يَتَامَى النِّسَاء).. هي علاقة مضاف ومضاف إليه، وليست علاقة صفة وموصوف، لذا فاعتبار يتامى النساء، نساء يتيمات ليس على ما ينبغي، لأنه في الأصل لا يوجد على سطح الأرض نساء يتيمات وإلا للزم وجود رجال أيتام أيضاً، وهذا مستحيل عقلاً، ولتوخي الدقة، فالنساء في التنزيل الحكيم جمع امرأة، والمرأة هي الأنثى التي بلغت سن النكاح، فكل امرأة أنثى، وليس كل أنثى امرأة.
وعليه فالآية 127 من سورة النساء تتعلق بشأن بيان الحكم الشرعي في الزواج بأمهات اليتامى اللاتي يرغب البعض بنِكاحهن بدون (صِداق) وعدم الاكتراث بأولادهن من أيتام ومستتضعفين، وغير ذلك من حقوق شَرَّعها الله، وترك ظلمهن عموماً وخصوصاً،ولو كانت الفتوى بشأن الزواج من اليتيمات اللاتي لم يبلغن المحيض، وكذلك الرشد (ممنوع شرعاً وعقلاً) لقال تعالى:
(يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ )..
فالعلاقة اللغوية كما قلنا في (يَتَامَى النِّسَاء).. هي علاقة مضاف ومضاف إليه، فاليتامى مضاف، والنساء مضاف إليه، أما العلاقة بين “النساء اليتيمات” فهي علاقة صفة وموصوف ، اليتيمات صفة، والنساء موصوف، فقوله تعالى (يَتَامَى النِّسَاء).. لا يعني إطلاقاً النساء اليتيمات.
و(يَتَامَى النِّسَاء).. هي علاقة مضاف ومضاف إليه، وليست علاقة صفة وموصوف، لذا فاعتبار يتامى النساء، نساء يتيمات ليس على ما ينبغي، لأنه في الأصل لا يوجد على سطح الأرض نساء يتيمات وإلا للزم وجود رجال أيتام أيضاً، وهذا مستحيل عقلاً، ولتوخي الدقة، فالنساء في التنزيل الحكيم جمع امرأة، والمرأة هي الأنثى التي بلغت سن النكاح، فكل امرأة أنثى، وليس كل أنثى امرأة.
وكأن الآيات عند ترتيب النزول كانت كالتالي حيث يتم تلخص مشهد اليتامى بالكامل هكذا:
1 ـ (وآتوا اليَتامَى أمْوَالَهمْ وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالَهمْ إلـى أمْوَالِكمْ إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا). 2
2ـ (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً) 127.
3 ـ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا) 3
4 ـ (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) 5
5 ـ (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) 6.
فقوله تعالى، (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) النساء: 6. وهما شرطان أساسيان لا يفصمان، فلو كان المقصود هنا هو اليتيمة حتى تكبر لقال سبحانه وتعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُنْ رُشْدًا)..
وعليه فإن الآية 127 من سورة النساء تتعلق بشأن بيان الحكم الشرعي في الزواج بأمهات اليتامى اللاتي يرغب البعض بنِكاحهن بدون (صِداق) وعدم الاكتراث بأولادهن من أيتام ومستتضعفين، وغير ذلك من حقوق شَرَّعها الله، وترك ظلمهن عموماً وخصوصاً،ولو كانت الفتوى بشأن الزواج من اليتيمات اللاتي لم يبلغن المحيض، وكذلك الرشد (ممنوع شرعاً وعقلاً) لقال تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ )..
الفرع الثالث
فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم
نكاح من؟
بالإضافة إلى أن التنزيل الحكيم قد عفى الرجل من دفع المهر للأرملة أم الأيتام بشرط أن يقسط لليتيم(وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ)النساء : 127
والمدقق في قول الحق سبحانه وتعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً) 127.
والذي(كُتِبَ لَهُنَّ)إما أن يكون مهوراً. وإمّا أن يكون تركة، وجاء القول الحكيم ليرفع عن المرأة عسف الولي. ثم نجد قوله تعالى : (وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ)..وجاء الأمر بهذا الأسلوب العالي الذي لا يمكن أن يقوله غير رب كريم، ونجد مادة ( رغب )تعني ( أحب ).
فإذا ما كان الحال ( أحب أن يكون ) يقال: (رغب فيه ) ، وإذا ( أحب ألاّ يكون ) فيقال:
( رغب عنه ). ولذلك قال الحق:(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ)البقرة: 130
ومادامت (عن ) جاءت كما في الآية فما بعدها هو المتروك.
لكن لو كان القول ( رغب في ) فهو لأمر محبوب.
وكلمة ( ترغبون ) في هذه الآية نجدها محذوفة الحرف الذي يقوم بالتعدية حباً أو كرهاً؛ لأنها تقصد المعنيين.
فإن كانت الرغبة في المرأة.. تصير ( ترغبون في ) وإن كانت المرأة دميمة وزهد فيها القول يكون: ( ترغبون عن ) ولا يقدر أحد غير الله على أن يأتي بأسلوب يجمع بين الموقفين المتناقضين. وجاء الحق ليقنن للأمرين معاً.
نعود إلى الآية الكريمة التي نحن بصدها(( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) [النساء : 3]..
فقوله تعالى((فَانكِحُواْ)..النكاح هنا هو الزواج.
وقوله تعالى((مَا طَابَ لَكُم).. أي ما قوبل بطيب نفس منكم ومن هؤلاء النسوة بحيث يتم الزواج منهن دون إكراه أو استغلال.
والمدقق في الآية الكريمة يجد أن النساء هنا جمعٌ مفرده امرأة وهي كل أنثى اكتملت أنوثتها وبلغت سن الحلم لقوله (فَانكِحُواْ)…
(مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)، هنا أورد المثنى والثلاث والرباع لينفي الجمع وهو العدد 9 كما أوردتها بعض الاجتهادات، فنقول: جاء القوم مثنى مثنى وثلاث ثلاث وأربع أربع وهذا لا يعني أنهم جاؤوا خمس.
ننتهي الآن إلى العبارة الأخيرة في الآية (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء : 3..
والعدل هنا المقصود به هو التسوية في المعاملة والأحكام والقيم والمقادير بين طرفين ومنه المعادلة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وهو يختلف عن القسط كما أسلفنا، فالقاضي وهو طرف أول يعدل بين طرفين وهما الخصمان.
والسؤال: العدل المطلوب بين من ومن؟.وكذلك العول.زما هو مفهومه؟..
العدل..معلوم..
العَوْل: العول لغة الارتفاع . يقال: عال الميزان إذا ارتفع ، ويأتي أيضاً بمعنى الجَوْر والميل عن الحق وهو الافتقار والمقصود هو كفالة اليتيم في معاشه وهو كثرة العيال.
العول لغة واصطلاحاً
للعول في اللغة معاني متعددة أو معنى واحد، له مصاديق مختلفة، فيُستعمل في الموارد التالية:.
1 ـ الفاقة والحاجة يقال: عال، يعيل، عيلة: إذا احتاج ، قال سبحانه: ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً )التوبة: 28.
2 ـ الميل إلى الجور، قال سبحانه: ( ذلكَ أَدْنى أَنْ لا تَعُولُوا ) النساء: 3.
3 ـ النقصان: يقال: عال الميزان عولاً فهو عائل إذا نقص.
4 ـ الارتفاع: يقال: عالت الناقة بذنبها إذا رفعته، ومنه العويل وهو ارتفاع الصوت بالبكاء.
إلى غير ذلك ممّا ذكره أصحاب المعاجم. انظر اللسان:11/481ـ 484; المصباح المنير:2/ 599.
وعليه فيقع العَوْل بمعانيه الثلاثة وهي: الجَوْر والافتقار وكفالة العيال في معاشهم
وأمّا اصطلاحاً فهو عبارة عن زيادة السهام المفروضة في الكتاب على مبلغ المال، أو نقصان المال عن السهام المفروضة.
تلك هي معاني المفردات التي على القارئ أن لا يخرج عنها وهو يتأمل الآية متفكراً ومتدبراً ليصل إلى المعنى المقصود بها ومنها.
فلقد رسم الله سبحانه للمؤمنين عبر الآيات المحكمات صورة التعامل مع اليتامى فأمر بأشياء ونهى عن أخرى، وكان من الطبيعي أن يدخل الخوف إلى قلوب بعضهم من ألا يستطيعوا القيام بهذه الأوامر والنواهي خير قيام في ضوء الممارسة الفعلية.
فإن تركوهم مع أمهم صعب عليهم رعايتهم في المأكل والملبس والمسكن، وإن هم جاؤوا بهم ليقسطوا لهم حسب أمر الله ورسوله حرموهم من حنان الأم.
هنا جاءت آية النساء 3 لتضع حداً لهذا التخوف وحلاً لهذه المشكلة. جاءت لتتحدث عن كيفية كفالة الأيتام وذلك بأن تجعل الكفيل لهم يتزوج من أمهم بشرط أن يكون هو متزوجاً ومن هنا جاء التعدد فهي لم تجيء لتسمح بتعدد الزوجات فحسب بل لتأمر به وذلك ضمن أربعة شروط:
1 ـ أن يكون الرجل متزوجاً غير عازب، بدليل أن التعددية في الآية بدأت بثانية ثم بثالثة ثم برابعة.
وبدليل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستحب للشاب العازب من أصحابه أن يتزوج بكراً صغيرة السن يلاعبها وتلاعبه.
وشاهدُنا ما رواه البخاري في صحيحه
عَنْ جَابرٍقَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ) يَا جَابِرُ ، أَتَزَوَّجْتَ ؟ ” ، قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : ” بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ؟ ” ، قَالَ : قُلْتُ : لا ، بَلْ ثَيِّبًا ، قَالَ : ” فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا ؟ ” ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ ، وَهُنَّ لِي تِسْعُ أَخَوَاتٍ ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَجَمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ ، وَلَكِنِ امْرَأَةً تُمَشِّطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ ، قَالَ : ” أَصَبْتَ). فإن رغب بنفسه أن يتزوج أرملة ذات أيتام فنقول له: بارك الله فيك.
2 ـ أن تكون المرأة أرملة ذات يتامى، والدليل هنا عقلي ومنطقي.
فالتعددية التي أمرت بها الآية جاءت بالأساس لهدف بعينه هو ضمان الإقساط في اليتامى، والإقساط في اليتامى لا يتحقق إلا بالزواج من أمهم الأرملة وليس من غيرها، تماماً كما لا يتحقق النجاح إلا بالاجتهاد في قولنا: إن تجتهد تنجح.
3 ـ أن يكون الزواج عن طيب نفس من الرجال ومن النساء صاحبات العلاقة، أي بعيداً عن الغصب والقهر، سليماً من الاستغلال، لا يجوز فيه انتهاز فرصة الحاجة عند الأرملة وأيتامها كوسيلة ضغط لانتزاع موافقتها على الزواج.
وإذا كان طيب النفس شرطاً لا يجوز التغاضي عنه في جميع أنواع العقود بمختلف مواضيعها، من شراء الأحذية وبيع النفط إلى عقود الصلح ومعاهدات السلام، فهو في مجال الزواج أشد إلحاحاً وأكثر أهمية.
فكما أن التجارة لا تكون إلا عن تراض – حسب منطوق الآية 29 من سورة النساء
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)النساء:29
– وكما أن الفصال لا يكون إلا عن تراض كما في آية البقرة 233،
( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ
وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)البقرة:233
كذلك الزواج لا يكون إلا عن طيب نفس ورضى.
4 ـ ألا تؤدي هذه التعددية إلى الوقوع في العَوْل بمعانيه الثلاثة التي أشرنا إليها آنفاً: الجَوْر والافتقار وكفالة العيال في معاشهم، إذ ليس من العقل في شيء أن نعالج مشكلة ما بحل يتسبب في خلق مشكلة أخرى، حيث أن العدل المطلوب في الآية هو بين اليتامى وبين أولاده، لا بين الزوجات كما يدعى السادة الفقهاء، وبما أن العدل المطلوب هو بين الأولاد وهو طلب ممكن، قال إن العدل بين الزوجات مستحيل وغير مطلوب أصلاً بناء على قوله تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ)النساء : 129، ولا علاقة لهذه الآية بقوله تعالى(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ)النساء : 3.
هذا ليس ما نفهمه نحن وحدنا من الآية، بل ما يجب أن يفهمه كل مسلم عاقل، وبناء على ذلك فإنه يتعين علينا أن ننظر إلى العلاقة الشرطية الرابطة وجوباً بين التعددية والإقساط، أي بين فعل الشرط وجزاؤه، وأن الجزاء لا بد وأن يكون من جنس العمل، والقاسم المشترك الوحيد بين اليتامى والتعددية هو أمهات اليتامى.
ويأتي الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك بالقول: ( وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ ) بجانب اليتيمات وهو الصنف المستضعف الأخر، أي اليتيم الذي لم يبلغ مبلغ الرجال.
وحينما يتكلم سبحانه عن الولاية والوصاية على مثل هؤلاء فهو يقول:
(وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ)النساء: 5
قال الله سبحانه وتعالى ذلك على الرغم من أن الأموال هي في الأصل ملك للسفهاء؛ فالمال ليس ماله إلى أن يعود إليه رشده، والمال يصان ويحفظ ومطلوب من الوصيّ والولي أن يحميه، ولن يكون إلا بالزواج من أمه..هذا ما قاله الحق في السفهاء:اليتامى.
فيقول سبحانه:
) وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (
النساء: 6
لأن السفيه أو المبذر ليس لأي منهما سلطة التصرف في المال بل سلطة التصرف تكون للوصي، وينتسب المال في هذه الحالة للوصي لأنه القائم عليه والحافظ له، لكن ما إن يبلغ القاصر الرشد فعلى الوصي أن يرد له المال.
وهكذا فنحن أمام آية تضع القواعد للنساء كافلات اليتامى والمستضعفين من الولدان:

(وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً)النساء: 127
فما معنى القيامة لنساء اليتامى بالقسط؟ والقسط – بالكسر – تعني العدل.
وتختلف عن (القَسط ) – بفتح القاف – وهو يعني الجور، قَسَط – يقْسِط أي عدل، وقسط يَقْسُط، أي جار، فالعدل مصدره ( القِسط ) بالكسر للقاف، والجور مصدره ( القَسط ) بالفتح للقاف.
يقول سبحانه وتعالى:(وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً)الجن: 15
ويقول سبحانه وتعالى عن العادلين:(إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ)المائدة: 42

وعندما نرى ” أقسط ” نراها تبدأ بهمزة الإزالة، أي كان هناك جور فأزلناه. أما القِسط – بالكسر – فهو العدل من البداية هو ” يقسِط “. بكسر السين في المضارع، أما يقسُط – بضم السين في المضارع – تعني ” يجور ويظلم “.
والحق سبحانه وتعالى يقول: ( وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ ).
وجاء الحكم في قوله الحق:(وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ( النساء: 2
وقوله الحق: ( وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ ) هو أمر بأن يقوم المؤمن على أمر اليتامى بالعدل بينه وبين أولاده حال تزوج أمهم؛ لأن الولي قد يصبغ على أولاده من الحنان ما يفرق به بينه وبين أولاد زوجته أم الأيتام فيجور عليهم ولا هم له إلا بالحصول على أموالهم.
ومن ثم ينبه الحق أن رعايتة للأيتام يجب أن تتسم بالعدل، ويقول سبحانه:
)
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً ) ليدلنا على أن أمر الفعل والقيام به ليس مناط الجزاء، ولكن أمر النية في الفعل هو مناط الجزاء، فإياك أيها المؤمن أن تقول: فعلت، ولكن قل: فعلت بنيّة كذا
.
إن الذي يمسح على رأس اليتيم يكون صاحب حظ عظيم في الثواب، ومن يكفل اليتيم فهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
 
الفصل الثاني
تشريع التعدد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة
المطلب الأول
الإسلام ونظام التعدد
لقد جاء الإسلام ونظام التعدد معمولاً به على مستوى العالم فهو لم يفرضه وإنما جاء ليقيده..
فهو لم يفرضه ولكنه أباحه وفرق كبير بين الفرض والتقييد والإباحة..
ونرى المسيحية المعاصرة تعترف بالتعدد في أفريقيا السوداء ، فقد وجدت الإرسالية التبشيرية نفسها أمام واقع اجتماعي وهو تعدد الزوجات لدى الإفريقيين الوثنيين، ورأوا أن الإصرار على منع التعدد يحول بينهم وبين الدخول في النصرانية، فنادوا بوجوب السماح للإفريقيين المسيحيين بالتعدد إلى غير حد محدود ، وقد ذكر السيد نورجيه مؤلف كتاب “الإسلام والنصرانية في أوساط أفريقية” ( 92-98 )..
هذه الحقيقة ثم قال : ” فقد كان هؤلاء المرسلون يقولون إنه ليس من السياسة أن نتدخل في شؤون الوثنيين الاجتماعية التي وجدناهم عليها ، وليس من الكياسة أن نحرم عليهم التمتع بأزواجهم ما داموا نصارى يدينون بدين المسيح، بل لا ضرر من ذلك ما دامت التوراة وهي الكتاب الذي يجب على المسيحيين أن يجعلوه أسـاس دينهم – تبيح هذا التعدد ، فضلاً عن أن المسيح قد أقر ذلك في قوله: ( لا تظنوا أني جئت لأهدم بل لأتمم ) ا ﻫ .
وأخيراً أعلنت الكنيسة رسمياً السماح للإفريقيين النصارى بتعدد الزوجات إلى غير حد ٍّّ!!.
فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه
 
الفرع الأول
مساوئ التعدد
وهنا نجد من الإنصاف أن نذكر مساوئ التعدد بعد أن ذكرنا محاسنه .
1. فمن أهم مساوئه ما ينشأ بين الزوجات من عداء وتحاسد وتنافس يؤدي إلى تنغيص عش الزوجية ، وانشغال بال الزوج بتوافه الخصام بين الزوجات ، مما يجعل حياته معهن جحيماً لا يكاد يطاق ، وحياتهن فيما بينهن نكداً لا يكاد ينتهي .
وهذه صورة لعذاب المتزوج باثنتين يقول :
 
تزوجت اثنتين لفَـرْط جهلي وقد حاز البـلَى زوج اثنتين
فقلت : أعيش بينهما خَروفاً أُنعّم بين أكـرم نعجتــين
فجاء الأمر عكس الحال دوماً عذاباً دائمــاً ببليتيـــن
رضا هذي يحرك سخط هذي فما أخلو من إحدى السخطتين
وكثيراً ما يهيج الشر بينهن أن إحداهن تكون أحب إلى قلب الزوج من الأخرى أو من أُخراهن ، فيكون الحسد الذي لا يغثأ حدته إلى حكمة الزوج ، وهيهات إلا من أوتي أخلاق النبيين وعقل الفلاسفة والحكماء‍ .
2. إن هذا العداء ينتقل غالباً إلى أولاد الزوجات ، فينشأ الأخوة وبينهم من العداء والبغضاء ما يؤدي في الكثير الغالب إلى متاعب للأسرة ، وللأب خاصة ما يكون له أسوأ الآثار في استقرار الحياة الزوجية وسعادتها .
3. إنّ الزوج لا يمكنه العدل بين زوجاته في المحبة – كما أخبر الله تعالى – مهما حرص على العدل في النفقة والمعاملة ، وفي ميل الزوج إلى زوجته الجديدة إيحـاش لقلب زوجته الأولى ، وإيلام لها حيث تشعر أن زوجها كان لها خالصـاً ، فأصبح لها من ينافسها في حبه وعواطفه ومسكنه ومأكله ومشربه . إن الحب لا يقبل مشاركة ولا مزاحمة ، فكيف يقر للزوجة الأولى قرار بعد هذا الشريك المزاحم الجديـد ‍، وأي عذاب هذا الذي تستطيع أن تتحمله ودونه كل عذاب ‍.
4. وقد قيل في مساوئ التعدد إنه سبب من أسباب تشرد الطفولة في بلادنا ، كما قيل مثله عن الطلاق .. ولكن التدقيق في دراسة التشرد وأسبابه وأماكنه يرد هذه الدعوى ، ونذكر من ذلك أمراً بسيطاً ، وهو أن التعدد في بلادنا كثيراً ما يقع في الريف ، ويقصد منه أن يكون للأب أولاد كثيرون يساعدونه في زراعة الأرض التي يملكها، وهو لا يكون غالباً إلا من الموسرين كما تدل عليه الإحصاءات، ولا وجود للتشرد في الريف، ولا في أولاد الموسرين، وإنما هو موجود في المدن الكبرى وفي أولاد الفقراء ، وفي اليتامى وأبناء المجرمين والمشردين ، فللتشرد عوامل اجتماعية خاصة ليس تعدد الزوجات ولا الطلاق من أسبابه .
إن نظام التعدد لا ينفذ غالباً إلا عند الضرورات ، وللضرورات أحكامها ، وهو في رأيي كالعملية الحربية فيها آلام ، وفيها ضحايا، ولكن إذا كانت لا بد منها، كانت دفاعاً مشروعاً يتحمل في سبيله كل تضحية وكل ألم ، وإذا لم تكن ضرورية كانت عملاً جنونياً لا يقدم عليه عاقل ، وهذا هو تماماً موقف كل إنسان وكل مجتمع من قضية التعدد .
ثم إن شعور المرأة بالألم لمزاحمة زوجة أخرى لها، لا يدفعه منع التعدد فما دام الرجل يتطلع إلى امرأة أخرى ، فبماذا تحول زوجته دون انصراف عواطفه إلى تلك المرأة ؟ إنه يستطيع أن يخونها ، وأن يواصل تلك المرأة سراً ويعاشرها سراً ، وقد تعلم ذلك ولكنها لا تستطيع أن تفعل معه شيئا ً، أليس الأكرم لها ولزوجها وللمرأة الأخرى أن يكون هذا اللقاء بعلمها ورضاها ، وأن يكون مشروعاً على سنة الله ورسوله .
والرجل الذي يقتصر على امرأة واحدة ولا يحب زوجته، ألا يؤلمها ذلك؟ ألا ينغص عيشها ؟ ألا يفقدها السعادة والهناء في حياتها الزوجية ؟ ولكنها ماذا تستطيع أن تفعل معه ؟ أتجبره على حبها ؟ هذا مستحيل ‍، أتحبسه في بيتها أتتوسل إليـه بالرقى والتعاويذ؟ إن الحب كما لا يقبل المزاحمة لا يقبل الإكراه فإذا ابتليت الزوجة بمن لا يحبها كان ذلك في الكتاب مقدوراً ، ولا سبيل إلى دفع عذابها النفسي وألمها بسبب ذلك، فأما أن تخسر الزوج كله بالطلاق، وإما أن تخسر نصفه بالتعدد، فأيهما أكثر خسارة لها وأشد إيلاما ً؟ .
 
فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه
الفرع الثاني
التقييد على الأمة الإسلامية
إن مبدأ تعدد الزوجات ليس خاصاً بالإسلام، فقد عرفه اليهود والفرس والعرب وغيرهم من أمم الشرق قبل ظهور رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم تر الأمم التي دخلت الإسلام فيه غنماً جديداً إذن، ولا نعتقد مع ذلك وجود ديانة قوية تستطيع أن تحول الطبائع فتبتدع أو تمنع مثل ذلك المبدأ الذي هو وليد جو الشرقيين وعروقهم وطرق حياتهم .
فالتقييد على الأمة نزل تشريعاً من عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العام التاسع للهجرة أي بعد تقييده على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأربع سنوات..وذلك حينما فهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك القيد من سورة النساء والتي نزلت في العام التاسع للهجرة فهي في ترتيب النزول نزلت بعد سورة الممتحنة وسورة الممتحنة نزلت بعد سورة الأحزاب ..بأربع سنين..وذلك على النحو التالي:
1 ـ قَالَ الشَّافِعِيّ وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآله وَسَلَّمَ الْمُبَيِّنَة عَنْ اللَّه أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ غَيْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْمَع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع نِسْوَة وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيّ مُجْمَع عَلَيْهِ بَيْن الْعُلَمَاء إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ طَائِفَة مِنْ الشِّيعَة أَنَّهُ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع إِلَى تِسْع وَقَالَ بَعْضهمْ : بِلَا حَصْر وَقَدْ يَتَمَسَّك بَعْضهمْ بِفِعْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمْعه بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع إِلَى تِسْع كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح وَإِمَّا إِحْدَى عَشْرَة كَمَا قَدْ جَاءَ فِي بَعْض أَلْفَاظ الْبُخَارِيّ.
2 ـ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَا : حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ اِبْن جَعْفَر فِي حَدِيثه , أَنْبَأَنَا اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة الثَّقَفِيّ أَسْلَمَ وَتَحْته عَشْر نِسْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ” فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْد عُمَر طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَمَ مَاله بَيْن بَنِيهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر فَقَالَ : إِنِّي لَأَظُنّ الشَّيْطَان فِيمَا يَسْتَرِق مِنْ السَّمْع سَمِعَ بِمَوْتِك فَقَذَفَهُ فِي نَفْسك وَلَعَلَّك لَا تَلْبَث إِلَّا قَلِيلًا وَأَيْم اللَّه لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَك وَلَتَرْجِعَنَّ مَالك أَوْ لَأُوَرِّثُهُنَّ مِنْك وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِك فَيُرْجَم كَمَا رُجِمَ قَبْر أَبِي رِغَالٍ .
3 ـ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وَيَزِيد بْن عُمَر بْن يَزِيد الْجَرْمِيّ أَخْبَرَنَا يُوسُف بْن عُبَيْد اللَّه حَدَّثَنَا سَرَّار بْن مُجَشِّر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع وَسَالِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة كَانَ عِنْده عَشْر نِسْوَة فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبَعًا هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنه.
4 ـ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيث قَيْس بْن الْحَارِث أَوْ الْحَارِث بْن قَيْس وَعُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَصَفْوَان بْن أُمَيَّة يَعْنِي حَدِيث غَيْلَان بْن سَلَمَة فَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع لَسَوَّغَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرهنَّ فِي بَقَاء الْعَشَرَة وَقَدْ أَسْلَمْنَ فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَع وَفِرَاق سَائِرهنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع بِحَالٍ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَام فَفِي الِاسْتِئْنَاف بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَاَللَّه سُبْحَانه أَعْلَم بِالصَّوَابِ “.
5 ـ رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ فِي سُنَنهمَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ خَمِيصَة بْن الشَّمَرْدَل وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ بِنْت الشَّمَرْدَل وَحَكَى أَبُو دَاوُد أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُول الشَّمَرْذَل بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة عَنْ قَيْس بْن الْحَارِث وَعِنْد أَبِي دَاوُد فِي رِوَايَة الْحَارِث بْن قَيْس أَنَّ عُمَيْرَة الْأَسَدِيّ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي ثَمَان نِسْوَة فَذَكَرْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ” اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ” . وَهَذَا الْإِسْنَاد حَسَن.
6 ـ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي مُسْنَده أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد يَقُول أَخْبَرَنِي عَبْد الْمَجِيد عَنْ اِبْن سَهْل بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَوْف بْن الْحَارِث عَنْ نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة الدِّيلِيّ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي خَمْس نِسْوَة فَقَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” اِخْتَرْ أَرْبَعًا أَيَّتهنَّ شِئْت وَفَارِقْ الْأُخْرَى ” فَعَمَدْت إِلَى أَقْدَمهنَّ صُحْبَة عَجُوز عَاقِر مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَة فَطَلَّقْتهَا .
7 ـ قال ابن كثير: وَقَوْله ” فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ ” .
أَيْ إِنْ خِفْتُمْ مِنْ تَعْدَاد النِّسَاء أَنْ لَا تَعْدِلُوا بَيْنهنَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى ” وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْن النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ” فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَة أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِيّ فَإِنَّهُ لَا يَجِب قَسْم بَيْنهنَّ وَلَكِنْ يُسْتَحَبّ فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَن وَمَنْ لَا فَلَا حَرَج وَقَوْله ” ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ” قَالَ بَعْضهمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَكْثُر عِيَالكُمْ قَالَهُ زَيْد بْن أَسْلَم وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَالشَّافِعِيّ وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْله تَعَالَى ” وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ” أَيْ فَقْرًا ” فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّه مِنْ فَضْله إِنْ شَاءَ ” وَقَالَ الشَّاعِر : فَمَا يَدْرِي الْفَقِير مَتَى غِنَاهُ … وَمَا يَدْرِي الْغَنِيّ مَتَى يَعِيل
وَتَقُول الْعَرَب عَالَ الرَّجُل يَعِيل عَيْلَة إِذَا اِفْتَقَرَ .
وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِير هَهُنَا نَظَر فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَة الْعَائِلَة مِنْ تَعْدَاد الْحَرَائِر كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَاد السَّرَارِيّ أَيْضًا وَالصَّحِيح قَوْل الْجُمْهُور ” ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ” أَيْ لَا تَجُورُوا يُقَال عَالَ فِي الْحُكْم إِذَا قَسَطَ وَظَلَمَ وَجَارَ .
وَقَالَ أَبُو طَالِب فِي قَصِيدَته الْمَشْهُورَة :
 
بِمِيزَانِ قِسْط لَا يَخِيس شَعِيرَة … لَهُ شَاهِد مِنْ نَفْسه غَيْر عَائِل
وَقَالَ هُشَيْم عَنْ أَبِي إِسْحَاق كَتَبَ عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى أَهْل الْكُوفَة فِي شَيْء عَاتَبُوهُ فِيهِ : إِنِّي لَسْت بِمِيزَانٍ أَعُول .
رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن مَرْدَوَيْهِ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي إِبْرَاهِيم وَخُثَيْم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن شُعَيْب عَنْ عَمْرو بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَيْر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ” قَالَ ” لَا تَجُورُوا ” قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم قَالَ أَبِي هَذَا خَطَأ وَالصَّحِيح عَنْ عَائِشَة مَوْقُوف قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرَوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَأَبِي مَالك وَابْن رَزِين وَالنَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان أَنَّهُمْ قَالُوا لَا تَمِيلُوا وَقَدْ اِسْتَشْهَدَ عِكْرِمَة بِبَيْتِ أَبِي طَالِب الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَلَكِنْ مَا أَنْشَدَهُ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيّ فِي السِّيرَة وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن جَرِير ثُمَّ أَنْشَدَهُ جَيِّدًا وَاخْتَارَ ذَلِكَ .
8 ـ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَا : حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ اِبْن جَعْفَر فِي حَدِيثه , أَنْبَأَنَا اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة الثَّقَفِيّ أَسْلَمَ وَتَحْته عَشْر نِسْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ” فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْد عُمَر طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَمَ مَاله بَيْن بَنِيهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر فَقَالَ : إِنِّي لَأَظُنّ الشَّيْطَان فِيمَا يَسْتَرِق مِنْ السَّمْع سَمِعَ بِمَوْتِك فَقَذَفَهُ فِي نَفْسك وَلَعَلَّك لَا تَلْبَث إِلَّا قَلِيلًا وَأَيْم اللَّه لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَك وَلَتَرْجِعَنَّ مَالك أَوْ لَأُوَرِّثُهُنَّ مِنْك وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِك فَيُرْجَم كَمَا رُجِمَ قَبْر أَبِي رِغَالٍ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالدَّار قُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيْرهمْ مِنْ طُرُق عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة وَغُنْدَر وَيَزِيد بْن زُرَيْع وَسَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَعِيسَى بْن يُونُس وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ وَالْفَضْل بْن مُوسَى وَغَيْرهمْ مِنْ الْحُفَّاظ عَنْ مَعْمَر بِإِسْنَادِهِ مِثْله إِلَى قَوْله ” اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ” .
9 ـ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وَيَزِيد بْن عُمَر بْن يَزِيد الْجَرْمِيّ أَخْبَرَنَا يُوسُف بْن عُبَيْد اللَّه حَدَّثَنَا سَرَّار بْن مُجَشِّر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع وَسَالِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة كَانَ عِنْده عَشْر نِسْوَة فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبَعًا هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنه.
قَالَ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن : تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّار بْن مُجَشِّر وَهُوَ ثِقَة وَكَذَا وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السَّمَيْدَع بْن وَهْب عَنْ سَرَّار .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيث قَيْس بْن الْحَارِث أَوْ الْحَارِث بْن قَيْس وَعُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَصَفْوَان بْن أُمَيَّة يَعْنِي حَدِيث غَيْلَان بْن سَلَمَة فَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع لَسَوَّغَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرهنَّ فِي بَقَاء الْعَشَرَة وَقَدْ أَسْلَمْنَ فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَع وَفِرَاق سَائِرهنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع بِحَالٍ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَام فَفِي الِاسْتِئْنَاف بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَاَللَّه سُبْحَانه أَعْلَم بِالصَّوَابِ ” .
حَدِيث آخَر فِي ذَلِكَ ” رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ فِي سُنَنهمَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ خَمِيصَة بْن الشَّمَرْدَل وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ بِنْت الشَّمَرْدَل وَحَكَى أَبُو دَاوُد أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُول الشَّمَرْذَل بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة عَنْ قَيْس بْن الْحَارِث وَعِنْد أَبِي دَاوُد فِي رِوَايَة الْحَارِث بْن قَيْس أَنَّ عُمَيْرَة الْأَسَدِيّ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي ثَمَان نِسْوَة فَذَكَرْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ” اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ” . وَهَذَا الْإِسْنَاد حَسَن : وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَا يَضُرّ مِثْله لِمَا لِلْحَدِيثِ مِنْ الشَّوَاهِد ” .
حَدِيث آخَر فِي ذَلِكَ ” قَالَ الشَّافِعِيّ فِي مُسْنَده أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد يَقُول أَخْبَرَنِي عَبْد الْمَجِيد عَنْ اِبْن سَهْل بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَوْف بْن الْحَارِث عَنْ نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة الدِّيلِيّ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي خَمْس نِسْوَة فَقَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” اِخْتَرْ أَرْبَعًا أَيَّتهنَّ شِئْت وَفَارِقْ الْأُخْرَى ” فَعَمَدْت إِلَى أَقْدَمهنَّ صُحْبَة عَجُوز عَاقِر مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَة فَطَلَّقْتهَا . فَهَذِهِ كُلّهَا شَوَاهِد لِحَدِيثِ غَيْلَان كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيّ .
10 ـ وَقَوْله ” فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ ” . أَيْ إِنْ خِفْتُمْ مِنْ تَعْدَاد النِّسَاء أَنْ لَا تَعْدِلُوا بَيْنهنَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى ” وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْن النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ” فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَة أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِيّ فَإِنَّهُ لَا يَجِب قَسْم بَيْنهنَّ وَلَكِنْ يُسْتَحَبّ فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَن وَمَنْ لَا فَلَا حَرَج وَقَوْله ” ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ” قَالَ بَعْضهمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَكْثُر عِيَالكُمْ قَالَهُ زَيْد بْن أَسْلَم وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَالشَّافِعِيّ وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْله تَعَالَى ” وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ” أَيْ فَقْرًا ” فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّه مِنْ فَضْله إِنْ شَاءَ ” وَقَالَ الشَّاعِر : فَمَا يَدْرِي الْفَقِير مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيّ مَتَى يَعِيل وَتَقُول الْعَرَب عَالَ الرَّجُل يَعِيل عَيْلَة إِذَا اِفْتَقَرَ .
وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِير هَهُنَا نَظَر فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَة الْعَائِلَة مِنْ تَعْدَاد الْحَرَائِر كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَاد السَّرَارِيّ أَيْضًا وَالصَّحِيح قَوْل الْجُمْهُور ” ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ” أَيْ لَا تَجُورُوا يُقَال عَالَ فِي الْحُكْم إِذَا قَسَطَ وَظَلَمَ وَجَارَ ; وَقَالَ أَبُو طَالِب فِي قَصِيدَته الْمَشْهُورَة : بِمِيزَانِ قِسْط لَا يَخِيس شَعِيرَة لَهُ شَاهِد مِنْ نَفْسه غَيْر عَائِل وَقَالَ هُشَيْم عَنْ أَبِي إِسْحَاق كَتَبَ عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى أَهْل الْكُوفَة فِي شَيْء عَاتَبُوهُ فِيهِ : إِنِّي لَسْت بِمِيزَانٍ أَعُول . رَوَاهُ اِبْن جَرِير.
إذن فالتشريع نزل على الأمة بأمر من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
 
فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه
الفرع الثالث
المفارقة في النكاح
تقع المفارقة في النكاح لأسباب ، منها :

أولا : الجمع بين أكثر من أربع زوجات
.
لا يجوز للمسلم الحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات في وقت واحد ؛ لقول الله تعالى : (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع( ، فإذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع زوجات أسلمن معه وجب عليه مفارقة ما زاد على الأربع ، وهذا باتفاق الفقهاء.
واستدلوا على ذلك بما رواه عبد الله بن عمر: (أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده تسع نسوة ، فأمر رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن يختار منهن أربعا)
.
وتختلف كيفية المفارقة بين من كان كافرا وكان في عصمته أكثر من أربع زوجات ثم أسلم وأسلمن معه ، وبين المسلم الذي يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات في وقت واحد .

1 ـ فمن كان كافرا وأسلم وفي عصمته أكثر من أربع زوجات وأسلمن معه فقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد من الحنفية إلى أنه لا يشترط فيمن يفارقهن أو يختارهن ترتب عقودهن ، فسواء تزوجهن في عقد واحد أو عقود متفرقة وسواء كان من فارقهن أو اختارهن أوائل في العقد أو أواخر ، ووجه ذلك كما قال الإمام الشافعي والقرافي أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَأمر من أسلم على أكثر من أربع أن يفارق ما زاد على الأربع وأطلق الحكم ولم يستفصل عن كيفية نكاحهن ، وترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال منزل منزلة العموم في المقال ، ولولا أن الحكم يعم الحالين لما أطلق ذلك.
قَالَ الشَّافِعِيّ وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآله وَسَلَّمَ الْمُبَيِّنَة عَنْ اللَّه أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ غَيْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْمَع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع نِسْوَة وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيّ مُجْمَع عَلَيْهِ بَيْن الْعُلَمَاء إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ طَائِفَة مِنْ الشِّيعَة أَنَّهُ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع إِلَى تِسْع وَقَالَ بَعْضهمْ : بِلَا حَصْر وَقَدْ يَتَمَسَّك بَعْضهمْ بِفِعْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمْعه بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع إِلَى تِسْع كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح وَإِمَّا إِحْدَى عَشْرَة كَمَا قَدْ جَاءَ فِي بَعْض أَلْفَاظ الْبُخَارِيّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وَيَزِيد بْن عُمَر بْن يَزِيد الْجَرْمِيّ أَخْبَرَنَا يُوسُف بْن عُبَيْد اللَّه حَدَّثَنَا سَرَّار بْن مُجَشِّر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع وَسَالِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة كَانَ عِنْده عَشْر نِسْوَة فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبَعًا هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنه.
فَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع لَسَوَّغَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرهنَّ فِي بَقَاء الْعَشَرَة وَقَدْ أَسْلَمْنَ فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَع وَفِرَاق سَائِرهنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع بِحَالٍ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَام فَفِي الِاسْتِئْنَاف بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَاَللَّه سُبْحَانه أَعْلَم بِالصَّوَابِ “.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لو تزوج كافر بخمس نسوة ثم أسلم ، فإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فرق بينه وبينهن جميعا ، وإن كان تزوجهن في عقود متفرقة صح نكاح الأربع وبطل نكاح الخامسة ؛ لأن الجمع محرم على المسلم والكافر جميعا ؛ لأن حرمته ثبتت لمعنى معقول وهو خوف الجور في إيفاء حقوقهن
.
فإذا أسلم فقد زال المانع ، فلا يمكن من استيفاء الجمع بعد الإسلام بين أكثر من أربع ، فإذا كان تزوج الخمس في عقدة واحدة فقد حصل نكاح كل واحدة منهن جميعا ؛ إذ ليست إحداهن بأولى من الأخرى ، والجمع محرم وقد زال المانع من التعرض فلا بد من الاعتراض بالتفريق ، فأما إن كان تزوجهن على الترتيب في عقود متفرقة فنكاح الأربع منهن وقع صحيحا ؛ لأن الحر يملك التزوج بأربع نسوة مسلما كان أو كافرا ، ولم يصح نكاح الخامسة لحصوله جمعا ، فيفرق بينهما بعد الإسلام.
ويوضح ابن قدامة صفة المفارقة فيقول
:
إن قال لما زاد على الأربع : فسخت نكاحهن كان اختيارا للأربع ، وإن طلق إحداهن كان اختيارا لها ؛ لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة ، وإن قال : قد فارقت هؤلاء أو اخترت فراق هؤلاء ، فإن لم ينو الطلاق كان اختيارا لغيرهن ؛ لقول النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم َلغيلان: (اختر منهن أربعا وفارق سائرهن)وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق صريحا فيه كما كان لفظ الطلاق صريحا فيه ، وكذا في حديث فيروز الديلمي قال : (فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها)، وهذا الموضع أخص بهذا اللفظ فيجب أن يتخصص فيه بالفسخ ، وإن نوى به الطلاق كان اختيارا لهن دون غيرهن ، وذكر القاضي من الحنابلة فيه عند الإطلاق وجهين
:
أحدهما : أنه يكون اختيارا للمفارقات ؛ لأن لفظ الفراق صريح في الطلاق ، قال ابن قدامة: والأولى ما ذكرناه
.
وقال ابن قدامة: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع زوجات قد دخل بهن فأسلمن معه وكن ثمانيا فاختار أربعا منهن وفارق أربعا منهن لم يطأ واحدة من المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات ؛ لئلا يكون واطئا لأكثر من أربع ، فإن كن خمسا ففارق إحداهن فله وطء ثلاث من المختارات ، ولا يطأ الرابعة حتى تنقضي عدة من فارقها ، فإن كن ستا ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من المختارات ، فإن كن سبعا ففارق ثلاثا فله وطء واحدة من المختارات ولا يطأ الباقيات حتى تنقضي عدة المفارقات ، فكلما انقضت عدة واحدة من المفارقات فله وطء واحدة من المختارات، وما سبق إنما هو بالنسبة للكافر الذي أسلم على أكثر من أربع نسوة .
أما المسلم الذي يجمع بين أكثر من أربع نسوة في عصمته في وقت واحد فإن الحكم يختلف بين ما إذا كان تزوجهن بعقد واحد وما إذا كان تزوجهن بعقود متفرقة
.
فإذا كان تزوجهن بعقد واحد فلا بد من مفارقة جميعهن وهذا باتفاق الفقهاء ؛ لأن النكاح يبطل في جميعهن ؛ إذ ليس إبطال نكاح واحدة بأولى من الأخرى فبطل الجميع
.
وكذلك الحكم لو كانت العقود متفرقة وجهل ترتيبها ولم يدر أي واحدة هي الخامسة ، فأما إن كانت العقود مترتبة فالأخيرة هي التي يجب مفارقتها وهذا باتفاق كذلك.
ثانيا: الخوف من النشوز

(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)النساء:128
يقول فضيلة الشيخ الشعراوي عند تفسيره لهه الآية ما نصه:
أي أن النشوز لم يحدث ولكن المرأة تخاف أن يحدث. ورتب الحق الحكم على مجرد الخوف من النشوز لا حدوث النشوز بالفعل، وهذه لفتة لكل منا ألا يترك المسائل حتى تقع، بل عليه أن يتلافى أسبابها قبل أن تقع؛ لأنها إن وقعت ربما استعصى عليه تداركها وإن رأت المرأة بعضاً من ملامح نشوز الزوج فعليها أن تعالج الأمر.
ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يتكلم هنا عن نشوز الرجل، وسبق أن تكلم سبحانه عن نشوز المرأة:

(وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) النساء: 34
والإعراض يعني أنه لم ينشز بعد ولكنه لا يؤانس الزوجة ولا يحدثها ولا يلاطفها على الرغم من أنه يعطيها كل حقوقها.
(فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ) والصلح هنا مهمة الاثنين معاً؛ لأن كل مشكلة لا تتعدى الرجل والمرأة يكون حلها يسيراً، والذي يجعل المشكلات صعبة هم هؤلاء الذين يتدخلون في العلاقة بين الرجل والمرأة، وليس بينهما ما بين الرجل والمرأة، والرجل قد يختلف مع المرأة ويخرج من المنزل ويهدأ ويعود، فتقول له الزوجة كلمة تنهي الخلاف لكن إن تدخل أحد الأقارب فالمشكلة قد تتعقد مِن تدخل من لا يملك سبباً أو دافعاً لحل المشكلة.
والرجل يظلم المرأة حين يأخذ الحكم الذي في صالحه وهو إباحة التعدد ولا يأخذ من مبيح التعدد وهو المشرع الأعلى – وهو الله – الأمر بأن يعدل بين زوجاته.
ولو أن الرجل أخذ حكم الله بالعدل كما أخذ إباحة الله في التعدد لحدث التوازن.
وحين تعرف المرأة الأولى أن حقها لن يضيع لا في نفسها ولا في بيتها ولا في رعاية أولادها. فهي تقول: ” من الأفضل أن يكون متزوجاً أمام عيني بدلاً من أن يدس نفسه في أعراض الناس “.
إذن فالذي يثير المسألة كإشكال أن الرجل يأخذ بعض الكتاب فيعمل به ويترك بعضه فلا يطبقه ولا يعمل به. والذين يأخذون إباحة الله في التعدد لا بد أن يأخذوه بأصوله التي وضعها الله في إطار العدالة.
والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق وأمر بالعدالة في المستطاع، وعلى الرجل أن يعدل زَمَناً، ويعدل نفقة، ويعدل ابتسامة، ويعدل مؤانسة ومواساة، والرجل في كل ذلك يستطيع، لكنه لا يستطيع أن يعدل في ميل القلب، وهو أمر مكتوم؛ لذلك قال الحق: ( وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ… )
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) النساء:129
وقال: ( وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)..

فإذا أرادنا أن يفهم القرآن، فعلينا أن نعلم أن الحق سبحانه لم يقف في هذه الآية عند قوله: (ولو حرصتم) إنما فرع على عدم الاستطاعة في العدل فقال: ( فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ) إنه سبحانه فرع على عدم الاستطاعة في العدل فأمر بعدم الميل كل الميل.
وتلك حكمة المشرع الأول الذي يعلم مَن خلق وكيف خلق. ولو أن الحق لم يفرِّع على ” ولن تستطيعوا ” لجاز لهؤلاء الذين يركبون الموجة المطالبة بعدم التعدد أن يقولوا ما يقولون؛ لذلك نقول لهم: انتبهوا إلى أن الحق سبحانه أوضح: عدم استطاعتكم للعدل هو أمر أنا أعلمه، ولذلك أطلب منكم ألا تميلوا كل الميل وذلك باستطاعتكم.
ومعنى هذا أنه سبحانه قد أبقى الحكم ولم يسلبه.(فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ).
وفي هذا القول أمر بألا يترك الرجل زوجته الأولى كالمعلقة وهي المرأة التي لم يتحدد مصيرها ومسارها في الحياة، فلا هي بغير زوج فتتزوج، ولا هي متزوجة فتأخذ قسمها وحظها من زوجها، بل عليه أن يعطيها حظها في البيتوتة والنفقة والملبس وحسن الاستقبال والبشاشة والمؤانسة والمواساة
.

ويقول الحق من بعد ذلك: ( وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً).

 

فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه

الفرع الرابع
التعدد نظام أخلاقي
إن نظام التعدد – وخاصة نظامه في الإسلام – نظام أخلاقي إنساني :
أما أنه أخلاقي فلأنه لا يسمح للرجل أن يتصل بأي امرأة شاء، وفي أي وقت شاء .
إنه لا يجوِّز له أن يتصل بأكثر من ثلاث نساء زيادة عن زوجته ، ولا يجوز له أن يتصل بواحدة منهن سراً ، بل لا بد من إجراء العقد، وإعلانه ولو بين نفر محدود، ولا بد من أن يعلم أولياء المرأة بهذا الاتصال المشروع ويوافقوا عليه، أو ألا يبدو عليه اعتراضاً ، ولا بد من تسجيله – بحسب التنظيم الحديث – في محكمة مخصصة لعقود الزواج ، ويستحب أن يولم الرجل عليه ، وأن يدعو لذلك أصدقاءه، وأن يضرب له الدفوف مبالغة في الفرح والإكرام .
وأما أنه إنساني فلأنه يخفف الرجل به من أعباء المجتمع بإيواء امرأة لا زوج لها، ونقلها إلى مصاف الزوجات المصونات المحصنات .
ولأنه يدفع ثمن اتصاله الجنسي مهراً وأثاثاً ونفقات تعادل فائدته الاجتماعية من بناء خلية اجتماعية تنتج للأمة نسلاً عاملاً .وذلك إلا في حالة زواجه من أم اليتيم..فلقد تم إعفاءه من المهر المقدم لها إكراماً لليتيم.
ولأنه لا يخلي بين المرأة التي اتصل بها وبين متاعب الحمل وأعبائه، بل يتحمل قسطاً من ذلك ينفقه عليها أثناء حملها وولادتها .
ولأنه يعترف بالأولاد الذين أنجبهم هذا الاتصال الجنسي، ويقدمهم للمجتمع ثمرة من ثمرات الحب الشريف الكريم ، يعتز هو بهم ، وتعتز أمته في المستقبل بهم .
إن نظام التعدد يحدد للإنسان شهوته إلى قدر محدود، ولكنه يضاعف أعباءه ومتاعبه ومسؤولياته إلى قدر غير محدود .
لا جرم أنه نظام أخلاقي يحفظ الأخلاق ، إنساني يشرف الإنسان .

 

فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه

الفرع الخامس
التعدد عند الغربيين لا أخلاقي ولا إنساني
وأين هذا من التعدد الواقع في حياة الغربيين ؟ تحداهم أحد كتابهم أن يكون أحدهم وهو على فراش الموت يدلي باعترافاته للكاهن ، تحداهم أن يكون فيهم واحد لا يعترف للكاهن بأنه اتصل بامرأة غير امرأته ولو مرة واحدة في حياته .
إن هذا التعدد عند الغربيين واقع من غير قانون، بل واقع تحت سمع القانون وبصره.
إنه لا يقع باسم الزوجات ، ولكنه يقع باسم الصديقات والخليلات .
إنه ليس مقتصراً على أربع فحسب ، بل هو إلى ما لا نهاية له من العدد .
إنه لا يقع علناً تفرح به الأسرة ، ولكن سراً لا يعرف به أحد .
إنه لا يلزم صاحبه بأية مسؤولية مالية نحو النساء اللاتي يتصل بهن ، بل حسبه أن يلوث شرفهن ، ثم يتركهن للخزي والعار والفاقة وتحمل آلام الحمل والولادة غير المشروعة .
إنه لا يلزم صاحبه بالاعتراف بما نتج عن هذا الاتصال من أولاد ، بل يعتبرون غير شرعيين ، يحملون على جباههم خزي السفاح ما عاشوا ، لا يملكون أن يرفعـوا بذلك رأساً .
إنه تعدد قانوني من غير أن يسمى تعدد الزوجات ، خالٍ من كل تصرف أخلاقي، أو يقظة وجدانية ، أو شعور إنساني .
إنه تعدد تبعث عليه الشهوة والأنانية، ويفر من تحمل كل مسؤولية، فأي النظامين ألصق بالأخلاق ، وأكبح للشهوات ، وأكرم للمرأة ، وأدل على الرقي ، وأبر بالإنسانية ؟.
تاريخ تعدد الزوجات
(من كتاب حقوق الإنسان في الإسلام: للأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي وذلك بتصرف غير مخل بالمضمون).
الحقيقة أن هذا النظام كان سائدا قبل ظهور الإسلام في شعوب كثيرة
.
منها: ” العبريون ” و ” العرب ” في الجاهلية، وشعوب ” الصقالبة ” أو ” السلافيون
“.
وهي التي ينتمي إليها معظم أهل البلاد التي نسميها الآن: ” روسيا، وليتوانيا، وليثونيا، واستونيا، وبولونيا، وتشيكو سلوفاكيا ويوغوسلافيا”.
وعند بعض الشعوب الجرمانية والسكسونية التي ينتمي إليها معظم أهل البلاد التي تسميها الآن ” ألمانيا، والنمسا، وسويسرا، وبلجيكا، وهولندا، والدانيمارك، والسويد، والنرويج، وانجلترا
.
فليس بصحيح إذن ما يدعونه من أن الإسلام هو الذي قد أتى بهذا النظام
.
والحقيقة كذلك أن نظام تعدد الزوجات لا يزال إلى الوقت الحاضر منتشرا في عدة شعوب لا تدين بالإسلام كأفريقيا، والهند، والصين، واليابان.
فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن هذا النظام مقصور على الأمم التي تدين بالإسلام
.
والحقيقة كذلك أنه لا علاقة للدين المسيحي في أصله بتحريم التعدد.
وذلك أنه لم يرد في الإنجيل نص صريح يدل على هذا التحريم.
وإذا كان السابقون الأولون إلى المسيحية من أهل أوربا قد ساروا على نظام وحدة الزوجة فما ذاك إلا لأن معظم الأمم الأوربية الوثنية التي انتشرت فيها المسيحية في أول الأمر – وهي شعوب اليونان، والرومان – كانت تقاليدها تحرم تعدد الزوجات المعقود عليهن، وقد سار أهلها، بعد اعتناقهم المسيحية، على ما وجدوا عليه آباءهم من قبل.
إذن فلم يكن نظام وحدة الزوجة لديهم نظاما طارئا جاء به الدين الجديد الذي دخلوا فيه، وإنما كان نظاما قديما جرى عليه العمل في وثنيتهم الأولى، وكل ما هنالك أن النظم الكنسية المستحدثة بعد ذلك قد استقرت على تحريم تعدد الزوجات واعتبرت هذا التحريم من تعاليم الدين، على الرغم من أن أسفار الإنجيل نفسها لم يرد فيها شئ يدل على هذا التحريم.
والحقيقة كذلك، أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب المتقدمة في الحضارة، على حين أنه قليل الانتشار أو منعدم في الشعوب البدائية المتأخرة كما قرر ذلك علماء الاجتماع ومؤرخو الحضارات، وعلى رأسهم ” وستر مارك، وهو بهوس، وهيلير، وجنربرج
.
فقد لوحظ أن نظام وحدة الزوجية كان النظام السائد في أكثر الشعوب تأخرا وبدائية، وهي الشعوب التي تعيش على الصيد، أو جمع الثمار التي تجود بها الطبيعة عفوا، وفي الشعوب التي تتزحزح تزحزحا كبيرا عن بدائيتها، وهي الشعوب الحديثة العهد بالزراعة.
على حين أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب التي قطعت مرحلة كبيرة في الحضارة، وهي الشعوب التي تجاوزت مرحلة الصيد البدائي إلى مرحلة استئناس الأنعام وتربيتها ورعيها واستغلالها، والشعوب التي تجاوزت جمع الثمار والزراعة البدائية إلى مرحلة الزراعة.
فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه
الفرع السادس
أثر الإصلاح الإسلامي في التعدد
جاء الإسلام ونظام التعدد شائع في كل شرائع العالم وشعوبه تقريباً ولكنه لم يكن له حد ولا نظام . فكان أول إصلاح في هذا النظام أن قصره على أربع زوجات ، وهو إصلاح عظيم الشأن إذا علمنا أن بعض الناس، بل بعض الأنبياء السابقين كانت لهم مئات الزوجات.
وكان مما عمله أن شدد فيه على العدل بين الزوجات ، عدلاً مادياً إلى أقصى حدود المستطاع ، وقد بنى الفقهاء المسلمون على هذا المبدأ أحكاماً في نهاية السمو الأخلاقي الذي لا مثيل له حتى في أخيلة الفلاسفة والحكماء .
وإن تعجب فمن صنيع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه الذي توفي فيه : كان يحرص على أن يبيت عند كل زوجة ليلة كما يبيت عند الأخرى ، وكان من شدة مرضه لا يستطيع المشي، فكان يحمل من بيت زوجة إلى بيت زوجة أخرى حتى إذا ثقل عليه المرض ، استأذن زوجاته في أن يظل عند عائشة تمرّضه، فلما أذن له وعلم رضاهن بذلك انتقل إلى بيت عائشة وظل عندها حتى توفي بعد ليالٍ صلوات الله وسلامه عليه !.
أنا لا أرى تعبيراً عن إنسانية الإسلام وأخلاقيته ومثاليته في تعدد الزوجات أبلغ من هذا المثال …
وكان من إصلاح الإسلام في هذا الأمر أن ربَّى ضمير الزوج المسلم على خوف الله ومراقبته ، ورغبته في ثوابه إن نفذ أوامره ، وخشيته من عذابه إن خالفها ، وبذلك كان مع زوجاته لا رجلاً مستعلياً مستبداً يتحكم بهن كما يشاء ، بل مؤمناً حاكماً على ضميره ، مراقباً بنفسه لنفسه فيما يكون قد قصر من حق نحو إحدى زوجاته أو أساء من معاملة .
ومثل هذه التربية تجعل التعدد ـ حين تقتضيه ظروف الإنسان الشخصية أو ظروف المجتمع العامة ـ قليل المساوئ، قليل الأضرار فلا بيت تنهكه العداوات، ولا أولاد تفرق بينهم الخصومات ، وكل ما في الأمر غيرة لا بد منها تكبح الزوجة المسلمة جماحها بأدب الإسلام ، وتعفى آثارها بحسن طاعتها لزوجها وقيامها بحقه …
ونشأ البيت الإسلامي في العصور الأولى ، تعمره الفضيلة ، ويملؤه الحب ، ويشيع في جنباته الوفاء والإخلاص، لا فرق في ذلك بين البيت ذي الزوجة الواحدة ، وهو الأكثر ، وبين البيت ذي الزوجتين، وهو الغالب في التعدد، وبين البيت ذي الزوجات الثلاث أو الأربع ، وهو القليل في حالات التعدد .

 

فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه

الفرع السابع
مناقشة التقييد بصفة عامة
(من كتاب د . مصطفى السباعي : “المرأة بين الشريعة والقانون” بتصرف غير مخل)..
ليس هنالك قيود يمكن أن توضع لتعدد الزوجات وهي مستقاة من الشريعة إلا قيدين اثنين:
القيد الأول : العدل بين الزوجات ، وهذا ـ كما رأينا ـ شرط صريح في القرآن لإباحة التعدد، لا لصحته، بإجماع العلماء.
فلو جعل شرطاً قانونياً لسماح القاضي بالزواج بامرأة ثانية لمن عنده زوجة واحدة، كيف يمكن للقاضي أن يتحقق من ذلك ؟.
هل للعدل أمارات سابقة ؟ هل يمكن أن يثبت ذلك بالشهادة؟ هل يكتفي فيه بيمين الزوج أنه سيعدل ؟ هل هو مما تجري فيه الفراسة ؟ وهل يكون القضاء بالفراسة ؟! هل يسأل القاضي أقرباء الزوج وأصدقاءه عن خلق الزوج في العدالة وعدمـها ؟ وهل يمكن أن يحكم القاضي بشهادتهم في ذلك؟ ثم كيف يمكن أن نمنع عقداً لمحظور لم يوجد بعد ! ولا سبيل إلى التحقيق من وجوده في المستقبل ؟ !!.
نحن مع الأستاذ الجليل شيخي ومعلمي الإمام أبي زهرة في أن العدل الذي جعل شرطاً دينياً لا يمكن أن يجعل شرطاً قانونياً يتوقف عليه السماح بالتعدد أو عدمه.
القيد الثاني : القدرة على الإنفاق على الثانية مع الأولى ، والقدرة على الإنفاق على أولاده منهما أو منهن.
وقد قلت: إن هذا الشرط يستفاد ضمناً من قوله تعالى :” ذلك أدنى ألا تعولوا ” على تفسيرها بألا تكثر عيالكم ، كما ذهب إلى ذلك الشافعي رحمه الله .
ويستفاد أيضاً منه اشتراط العدالة ، فإن الذي لا يستطيع الإنفاق على زوجتيه وعلى أولاده منهما لا بد له من أن ينفق على إحداهما دون الأخرى ، فتنتفي بذلك العدالة المشروطة ديناً ، ولا بد له من أن يهمل الإنفاق على بعض أولاده وهذا تفريط يحال بينه وبين أسبابه .
إن هذا الشرط ممكن ، ويستطيع القاضي أن يتأكد منه ، بالسؤال عن قدرته المالية، ومعرفة دخله وإيراده ، فإذا وجده قادراً على الإنفاق على زوجتيه وأولادهما لم يكن هنالك مانع من السماح له بإجراء هذا العقد.
وشريعة الله حين أباحت التعدد إنما تركت الباب مفتوحاً لمعالجة الضرورات الفردية والاجتماعية ، ولم ترغب في ذلك ولم تنفر، لأن طبيعة الإنسان تغني عن الترغيب أو التنفير من ذلك ، ففي فطرة كل إنسان أن لا يتحمل طائعاً مختاراً إلا زوجة واحدة، وأن لا يهدأ ولا يستقر إلا بذلك ، ولكن التشريع الخالد ما وجـد فيه الناس جميعاً حاجاتهم ، وما وجدت فيه الأمم طلِباتها في مختلف ظروفها وأحوالها .
فليس في ترك التعدد مباحاً كما هو في الشريعة ترغيب للناس في ذلك ، وهذا هو الواقع المشاهد ، ولكن في تضييقه أو منعه حيلولة دون معالجة مشكلات خاصة تجد علاجها في التعدد ، ومنع الأمة في ظرف من الظروف الطارئة من حل مشكلة من مشكلاتها التي لا علاج لها إلا بالتعدد ، والتشريع الحكيم هـو الذي يترك الباب مفتوحاً لمعالجة المشاكل ولا يوصد الباب دونها .
وأرى أن أختم هذا البحث بكلمة قيمة للأستاذ العقاد قالها في كتابه ” المرأة في القرآن الكريم “. ص 137.
وحَسْبُ الشريعة أن تقيم الحدود، وتوضح الخطة المثلى بين الاختيار والاضطرار، وأما ما عدا ذلك من التصرف بين الناس ، فشأنه شأن جميع المباحات التي يحسن الناس وضعها في مواضعها، أو يسيئون العمل والفهـم فيها، على حسب أحوال الأمم والمجتمعات من الارتقاء والهبوط، وعلى المعرفة والجهل، ومن الصلاح والفساد، ومن الرخاء والشدة، ومن وسائل المعيشة على التعميم .
فالمباحات الاجتماعية والفردية كثيرة تأذن بها الشريعة ، ولكنها لا تأخذ بأيدي الناس ليحسنوا تناولها والتصرف فيها، فليس أكثر من الطعام المباح، وليس أكثر من أضرار الطعام بمن يستبيحونه على غير وجهه وبالزيادة أو النقص في مقداره ، وبالخلط بين ما يصلح منه للسليم ، وما يصلح منه للمريض ، وما يطيب منه في موعد ، ولا يطيب في موعد سواه ، وإنه لمن الشطط على الشرائع ـ وعلى الناس ـ أن ننتظر من الشارع حكماً قاطعاً في كل حالة من هذه الحالات.
لأن الضرر من فرضها على من يتولاها بغير بصيرة،أرحم أعظم من تركها للتجربة والاختيار.فإن الممنوع من تعدد الزوجات لا حيلة فيه للمجتمع إلا بنقض بناء الزواج، وإهدار حرماته جهرة أو في الخفاء .
أما المباح من تعدد الزوجات ، فالمجتمعات موفورة الحيلة في إصلاح عيوبه ، على حسب أحوالها الكثيرة من أدبية ومادية ، ومن اعتدال أو اختلال في تكوين أسرها وعائلاتها وسائر طبقاتها .
فالتربية المهذبة كفيلة بالعلاقة الصالحة بين الزوج والزوجة ، فلا يحمد الزوجُ نفسُه علاقة بينه وبين امرأته لا تقوم على العطف المتبادل ، والمودة الصريحة ، والمعاونة الثابتة في تدبير الأسرة، ولا يتهيأ له جو البيت على المثال الذي يرتضيه مع زوجتين تدعوه إلى الجمع بينهما داعية من دواعي الأثرة ، والانقياد للنزوات .
وقد ينشأ لتعدد الزوجات في حالتي الغنى والفقر على السواء :
فالغني يستطيع أن ينفق على بيوت كثيرة، ولكنه لا يستطيع أن يجد غنياً مثله يعطيه بنته ، ليجمع بينها وبين ضرة تنازعها ، ولو اعتلتها في معيشة أخرى ، وقد يشق عليه أن ينفق على الزوجات الغنيات بما تتطلبه هذه النفقة من السعة والإسراف ، وإذا وجد النساء الفقيرات فلعلها حالة لا تحسب إذ ذاك من أحوال الاضطرار بالنسبة لمن يقبلن عليها من الزوجات .
والفقير قد يحتاج إلى كثرة النساء والأبناء لمعاونته على العمل ـ ولا سيما العمل الزراعي ـ ولكنه يهاب العالة ، ويحجم عما يجهده من تحصيل النفقة والمأوى .
والمجتمع يحق له أن يشترط الكفاية في الزوج لتربية أبنائه ، ويتوخى لذلك دستوراً يحافظ على حرية الرجال والنساء ، ولا يخل بحقوقهم في التراضي على الزواج حتى اتفقت رغبتهم عليه ، وليس من العسير تسويغ ذلك الدستور من جانب المجتمع ، لأن الأزواج المقصرين يجنون عليه ، ويحملونه تبعات كل كفالة للأبناء، يعجز عنها الآباء والأمهات .
ومن حسنات السماح بتعدد الزوجات عند الضرورة ، أن يكون ذريعة من ذرائع المجتمع لدفع غوائل العيلة والفـاقة عند اختلال النسبة العددية بين الجنسين ، فإذا كان هذا العارض من العوارض التي تخطر لرجل في علم ” ليبون “أنه يستلزم القوانين لتداركه ، فليس افتراضه في الشريعة باطـلاً يقضي عليه بالعبث في جميع الظروف ، ويحق للمجتمع أن يرجع إليه في تقدير تلك الظروف ، فلا تصطدم عقائد الدين ودواعي المصلحة بين جيل وجيل ” ا ﻫ .
د . مصطفى السباعي :من كتابه “المرأة بين الشريعة والقانون”
قلت هناك قيد ثالث: أن تكون المرأة كافة للأيتام ولقد ناقشناه بالتفصيل في الفصول السابقة…ولسوف نناقشه بشيء من التفصيل في الفرع القادم بإذن الله تعالى.
فواصل متحركة لتزيين المواضيع اكبر مكتبة فواصل متحركة 2014 فواصل دينية ومتحركة روعه
الفرع الثامن
مناقشة القيد الثالث
في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة..
جاء في القرآن الكريم في أول سورة النساء ( وإن خفتُم ألا تُقسطوا في اليتامي فانكحوا ما طاب لكم من النساء مَثنى وثُلاث ورُباع ، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانُكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) . النساء:3 .
وجاء في السورة نفسها ( ولن تستطيعوا ألا تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ، وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيما) النساء:129.
تفيد هاتان الآيتان بمجموعهما ـ كما فهمهما جمهور المسلمين من عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحابته والتابعين وعصور الاجتهاد فما بعدها ـ الأحكام التالية :
1. إباحة تعدد الزوجات حتى الأربع ، فلفظ “انكحوا ” وإن كان لفظ أمر إلا أنه هنا للإباحة لا للإيجاب ، وعلى ذلك جمهور المجتهدين في مختلف العصور لا نعلم في ذلك خلافاً ، ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل الأهواء والبدع فذهبوا إلى أن الآية تفيد إباحة التعدد بأكثر من أربع ، وهذا ناشئ عن جهلهم ببلاغة القرآن وأساليب البيان العربي ، ومن جهلهم بالسنة كما قال القرطبي رحمه الله .
2. أن التعدد مشروط بالعدل بين الزوجات ، فمن لم يتأكد من قدرته على العدل ” لم يجز “له أن يتزوج بأكثر من واحدة ، ولو تزوج كان العقد صحيحاً بالإجماع ولكنه يكون آثماً.
وقد أجمع العلماء ـ وأيده تفسير الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفعله ـ أن المراد بالعدل المشروط هو العدل المادي في المسكن واللباس والطعام والشراب والمبيت وكل ما يتعلق بمعاملة الزوجات مما يمكن فيه العدل .
3. أفادت الآية الأولى اشتراط القدرة على الإنفاق على الزوجة الثانية وأولادها، بناءً على تفسير قوله تعالى ( ألا تعولوا ) أن لا تكثر عيالكم ، وهذا هو التفسير المأثور عن الشافعي رحمه الله .
قال البيهقي في “أحكام القرآن ” الذي جمعه من كلام الشافعي رحمه الله في مصنفاته : وقوله : ( ألا تعولوا ) أي لا يكثر من تعولون إذا اقتصر على واحدة، وإن أباح له أكثر منها. وهذا يفيد ضمناً اشتراط القدرة على الإنفاق لمن أراد التعدد ، إلا أنه شرط ديانة لا قضاء .
4. وأفادت الآية الثانية أن العدل في الحب بين النساء غير مستطاع وأن على الزوج ألا يميل عن الأولى كل الميل فيذرها كالمعلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، بل عليه أن يعاملها باللطف والحسنى بما استطاع ، عسى أن يصلح قلبها ويكسب مودتها .
وقد فهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية كما ذكرناه ، فكان حين يعدل بين زوجاته يقول: [ اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما لا أملك ] يعني بذلك حبه لعائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها من زوجاته .
فهم خاطئ متهور
وقد حاول بعض الناس ممن لا علم لهم بالشرع، ولا بالكتاب والسنة أن يزعموا أن القرآن يمنع التعدد في آيتيه السابقتين، لأن الآية الأولى تشترط إباحة التعدد بالعدل بين الزوجات ، والآية الثانية تقطع باستحالة العدل بينهن، فكأن التعدد مشروط بما يستحيل إمكانه ، فهو ممنوع .
ولا ريب في أن قليلاً من النظر يرد هذه الدعوى لأمور كثيرة منها :
أولاً : أن العدل المشروط في الآية الأولى هو غير العدل المقطوع باستحالته في الآية الثانية .
فالعدل المشروط في الأولى هو العدل الذي يمكن للزوج أن يفعله ، وهو العدل المادي في مثل المسكن والمبيت واللباس والطعام وغير ذلك .
والعدل المقطوع بعدم استطاعته هو العدل الذي لا يمكن في الواقع للزوج أن يفعله وهو العدل المعنوي في الحب والمكانة القلبية ، فما تزوج الثانية إلا وهو معرض عن الأولى بسبب من الأسباب ، فكيف يعدلها بها ويساويها معها في حبه وعواطفه؟.
وعلى هذا فلا تعلق بين العدلين في الآيتين ، إلا من حيث إنه عدل بين الزوجات ! ويكون تعليق التعدد بالعدل المادي بين الزوجات لا يزال مشروطاً وقائماً ، فمن علم أنه لا يعدل بينهن كان آثماً في التعدد ، وإذا تزوج فلم يعدل كان آثماً .
وأما عدم عدله في حبه بينهن فلا يؤاخذه الله عليه إلا إذا أفرط في الجفاء، وبالغ في الانصراف .
ثانيا : إن نص الآية الثانية قاطع بالمراد من العدل الذي لا يستطيعه الإنسان ، وهو الحب ، وذلك أن الله تبارك وتعالى بعد أن علم طبيعة النفس الإنسانية ، وأنها لا تستطيع العدل بين الأولى والثانية ، خاطبه بما يستطيع، فنهاه عن أن يميل عن الأولى كل الميل ، فيذرها كالمعلقة ومعنى ذلك أن الميل “بعض “الميل جائز ، بل هو الذي لا بد أن يقع وهو مما لا يحاسب الله عليه الزوج .
ولذلك ختم الآية الكريمة بقوله : ( وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً) وهذا حث آخر للزوج على أن يصلح الوضع فيما بينه وبين زوجته الأولى ويتقي الله في أمرها فلا يهجرها ويسيء عشرتها ، وأنه إن فعل ذلك فإن الله يغفر له ما يكون منه من ميل إلى زوجته الثانيـة أكثر من الأولى ، وأن الله رحيـم بتلك الزوجة ، بما سيلقي في قلب زوجها من وجوب العدل معها وحسن معاملته لها .
ثالثاً : لو كان الأمر كما زعمه هؤلاء لما كان لقوله تعالى: ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) معنى ، ولا أدى إلى غرض ولكان الأولى أن يمنع التعدد رأسا وبلفظ واحد ، لا أن يبيح التعدد ويعلقه بشرط مستحيل ، فهذا عبث من الكلام يصان عنه أي واحد من العقلاء ، فكيف بكلام رب العالمين ، الذي هو الذروة العليا من الفصاحة والبلاغة والبيان العربي المبين ؟ ..
أليس مثل ذلك – في دعواهم – كمثل من قال : أبحت لك أن تسلك هذه الطريق أو هذه الطريق ، أو هذه الطريق ، ولكن من المستحيل عليك أن تسلك إلا طريقاً واحداً لكذا وكذا ؟ ما معنى مثل هذا الكلام ؟ وما فائدته ؟ وهل يقع مثل هذا في قانون ؟ أو دستور أو كتاب علمي فضلاً عن كتاب رب العالمين .
رابعا : من المعلوم في الدين بالضرورة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفسر لكتاب الله، وأنه لا يفعل حراماً، ولا يسمح بحرام ولا يقر عليه، وقد ثبت أن العرب الذين دخلوا في الإسلام كان منهم كثيرون تحتهم أكثر من أربع زوجات ، منهم من كان عنده ست، ومنهم من كان عنده ثمان، ومنهم من كان عنده عشر، ومنهم من كان عنده ثمان عشرة .. وهكذا فأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يختار كل واحد أربعاً من زوجاته ويفارق سائرهن ، ولو كان التعدد حراماً بنص هاتين الآيتين لأمرهم أن يختاروا واحدة منهن ويفارقوا سائرهن .
ومن الثابت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد عدّد زوجاته، وأن أصحابه قد عددوا الزوجات في حياته وعلى مسمع منه وعلم ، ولم ينكر عليهم ، فإذا قيل : إن تعدد زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاص به – مع أن خصوصيته في الزيادة على الأربع ، لا في الزيادة على واحدة بإجماع المسلمين – فكيف أقر النبي تعدد زوجات أصحابه ، وكيف رضي بذلك وسكت عنه ؟.
لا أعتقد عاقلاً يزعم أن الصحابة والتابعين وجماهير المسلمين خلال أربعة عشر قرناً لم يفهموا هاتين الآيتين حق الفهم ، وأن الله ادّخر هذه الفضيلة لأصحاب هذا الفهم ، إن قال أحد مثل هذا فقد حكم بنفسه على عقله !…
في اعتقادي أن الذين قالوا مثل هذا ليسوا من الجهل والغباوة إلى هذا الحد ، ولكنهم بين فريقين : بين مخلص حسن النية رأى شدة هجوم الغربيين على نظام التعدد في الإسلام ، فظن أنه بمثل هذا القول يخلص الإسلام مما يتهمونه به ، ومثل هذا ضعيف الإيمان ، ضعيف الشخصية ، لا يثق بما عنده، ويخشى ما عند أعدائه، فينهزم أمامهم لأول حملة مصطنعة .. وأرى أن عصر هؤلاء قد ولّى، وأن الغربيين قد أصبحوا بحاجة إلى ترميم بنيانهم المتداعي، فلم يعودوا يصلحون للهجوم على الناس .. ولم يعودوا يخيفون من يهاجمون …
وبين آخر سيئ النية يريد أن يخدع المسلمين عن دينهم ، فيزين لهم التبرؤ مما فعله رسولهم وصحابته وجماهير الملايين المسلمين في أربعة عشر قرناً، بحجة أنهم لم يفهموا القرآن كما ينبغي ، ومثل هذا مهتوك الستر لا يمكن أن يخدع أحداً، وقد أصبح المسلمون من الثقة بدينهم والوعي لدسائس خصومهم بما لا تنطلي عليهم مثل هذه الدسائس ،ولا هاتيك التحريفات !.