sss

ما هي جريمة البغي..

بمناسبة الحديث عن الحجاج..من المناسب هنا أن اضع بحثا حول مفهوم جريمة البغي من الناحية الشرعية..

البغي جريمة (سياسية) توجه ضد نظام(الحكم والحكام) ولا توجه ضد (النظام الاجتماعي).

والقاتل السياسي يختلف عن القاتل العادي في أن الأول يشعر بجريمته أنه يتقرب إلى الله تعالى، فهنداوي دوير حينما أعطى محمود عبد اللطيف السلاح لينفذ ما تم الاتفاق عليه من اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قال له : (سير على بركة الله ) حدث هذا في عام 954 ، وفي عام 1981 وأثناء المحاكمة العلنية لقتلة السادات وعندما سئل خالد الإسلامبولي هل هو مذنب أو غير مذنب كان جوابه 🙁 نعم لقد قتلته ولكنني غير مذنب ، لقد فعلت ما فعلت في سبيل الدين وفي سبيل الوطن)، وكانت إجابات كل المتهمين الآخرين متماثلة وحينما جاء الدور على عباس محمد ـ بطل الرماية القديم في الجيش ـ كان قوله (حتى قبل أن يطلبوا إلي الاشتراك معهم في قتل السادات فقد كنت وصلت إلى الاقتناع الكامل بأن هذا الرجل يجب أن يقتل وكنت ادعوا الله أن يعطيني شرف الاشتراك في إرغام الطاغية على أن يدفع ثمن جرائمه)..

فالتفرقة بين الجريمتين (السياسية) و(العادية) مهمة جداً لأن الآثار المترتبة على الأحكام مهمة جداً وهذا ما سوف نحاول توضيحه من الدفوع التالية.

اشتراطات فقهاء القانون الجنائي في جريمة البغي

ويشترط فقهاء القانون الجنائي في جريمة البغي شروطا خاصة أهمها:

أن يكون البغاة متأولين، أي أن يدعوا سببا لخروجهم ويدللوا على صحة ادعائهم ولو كان الدليل في ذاته ضعيفا.

أن يكونوا ذوي شوكة أو منعة ، أي أن يكونوا أقوياء لا بأنفسهم ولكن بغيرهم ممن هم على رأيهم.

أن يأخذوا في تنفيذ غرضهم بالقوة أو يبدءوا بالتجمع والإقتناع لذلك.

وليس اسم (البغي) ذما وإنما هو مصطلح من المصطلحات الفقهية، وليس أهل البغي فسقة ولا كفرة..

أما إنهم ليسوا بكفرة فلأنهم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ولم ينكروا أصلاً اعتقاديا أو فرضا مفروضا ولم يجحدوا نصا.
وأما أنهم ليسوا بفسقة فإنهم لم يرتكبوا ما يفسقون به من معصية وإنما خالفوا بتأويل جائز في اعتقادهم لكنهم مخطئون فيه..

وهكذا يتضح لنا الفرق بين (الجريمة العادية) و(جريمة البغي) أو(الجريمة السياسية) في التعبير المعاصر..

ومراعاة الشريعة الإسلامية لهذه التفرقة يتوخى أمرين :

أولهما : الحفاظ على وحدة الجماعة التي تظل بها الجبهة الداخلية للدولة متماسكة.

والثاني : الحفاظ على الأمن الداخلي وتوقية الأمة نواتج الاضطراب.

والأمران هما المناخ الطبيعي والصحيح لسلامة المجتمع، والعناصر التي حددت لتمييز جريمة البغي تبرز التفرقة بين الجريمة السياسية والجريمة العادية، فليست كل جريمة سياسية ترتكب بغرض سياسي تسمى بغيا أو جريمة سياسية.

ولا تختلف الجريمة السياسية عن الجريمة العادية في طبيعتها فكلتاهما تتفق مع الأخرى في المحل والنوع والوسائل، وإنما تختلفان في البواعث المرتبطة بالظروف التي ترتكب فيها الجريمة…

فالبواعث في الجريمة السياسية موجهة أساسا إلى (رئيس الدولة) بالعمل على خلعه، ويكون ذلك بوجود جماعة ذات شوكة وقوة تتأنى معها المقاومة ويكون ذلك بادعاء سبب للخروج مدللين على صحتة في نظرهم ولو كان الدليل ضعيفا كادعاء أولئك الذين خرجوا على (علي) لأنه يعرف قتلة عثمان ولا يقتص منهم.

أما إذا كان سبب الخروج باطلا ابتداء فإن الخروج حينئذ لا يعتبر بغيا ولا يعتبر جريمة سياسية وذلك كما إذا قام تنظيم شيوعي بالخروج على صاحب السلطة الشرعية، أو محاولة تغيير النظام الاجتماعي بما يتعارض مع النظام الإسلامي فإن خروج هؤلاء لا يعتبر جريمة سياسية وإنما يعتبر جريمة عادية تطبق فيها العقوبة النوعية للجريمة، وذلك كالذين يقومون لفرض الشيوعية على المجتمع فإنهم مرتدون يعاقبون بعقوبة الردة، ذلك أن إنكار وجود الله أمر نابع من جذور الفكر الشيوعي وإنكار وجود الله رده بالإجماع لم يشذ عن القول بذلك أي من الفقهاء..

هذا هو مناط التفرقة بين الجريمة العادية والجريمة السياسية، فمن يقتل رئيس الدولة ولو لغرض سياسي تعتبر جريمته جريمة عادية ما لم تتوافر باقي الشروط، ذلك أن (عبد الرحمن بن ملجم) لما قتل عليا بن أبي طالب خليفة المسلمين رضي الله تعالى عنه، لتحقيق هدف سياسي اعتبر القتل عاديا على الرغم من أن القاتل من الخوارج، إذ قال علي لابنه الحسن : أحسنوا أساره فإن عشت فأنا ولي الدم وإن مت فضربه كضربتي، فلو لم يكن القتل عاديا لما اعتبر نفسه (ولي الدم) ولما طلب من الحسن أن يقتص بضربة كضربته، خصوصا إذا ما عرفنا أن عقوبة البغي عند التغلب على البغاة هي ( التعزير)، أما عقوبة البغي في حالة (المغالبة) و(الحرب) هي القتل..

تعريف البغي :

يعرف البغي لغة بأنه طلب الشيء .. فيقال بغيت كذا إذا طلبته ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام (قال ذلك ما كنا نبغ) الكهف 64 .

ثم اشتهر البغي في العرف في طلب مالا يحل والجور ومجاوزة الحد والظلم ومنه سمي البغاة لظلمهم وعدولهم عن الحق ..

فالبغاة هم الظالمون العادلون عن الحق ..

والبغاة جمع باغ وهو اسم فاعل من البغي، وقد اختلفت تعاريف الفقهاء حول البغي فقالوا :
ـ قال الحنفية : هم الخارجون عن الإمام الحق بغير الحق فلو كان الخروج بحق فليسوا بغاة. (شرح فتح القدير لابن الهمام ج 4 ص 48).

ـ قال المالكية: البغاة فرقة ـ أي طائفة ـ من المسلمين خالفت الإمام الذي ثبتت إمامته باتفاق الناس عليه لمنع حق لله أو لآدمي .. وجاء في شرح الزرقاني وحاشية الشيباني :

البغي هو الامتناع عن طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية ولو تأويلا . (الشرح الكبير للدردير هامش حاشية الدسوقي ج 4 ص 123).

ـ قال الشافعية: البغاة مسلمون مخالفو الإمام بخروج عليه نفسه أو ترك الانقياد له، أو منع حق لله أو لآدمي توجب عليهم، وقال صاحب أسنى المطالب شرح روض الطالب الإمام أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي:البغاة هم المسلمون مخالفو الإمام بخروج عليه وترك الانقياد له بشرط شوكه لهم وتأويل ومطاع .أنظر (أسنى المطالب شرح روض الطالب ج 4 ص 111) و (مغني المحتاج للشربيني الخطيب ج 4 ص 123).

فالبغي إذن عند الشافعية هو خروج جماعة ذات شوكه ورئيس مطاع عن طاعة الإمام بتأويل فاسد ..

ـ قال الحنابلة: إنهم قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام ويرون خلعه لتأويل سائغ وفيهم منعه يحتاج في كفهم إلى منع الجيش. (المغني لابن قدامه جـ 8 صـ 107).

وفي (كشف القناع جـ 4 صـ 114) هم الخارجون عن إمام ولو غير عدل بتأويل سائغ ولهم شوكه ولو لم يكن فيهم مطاع ..

ـ قال الظاهرية: البغاة قسمان لا ثالث لهما : إما قسم خرجوا على تأويل في الدين فأخطئوا فيه، كالخوارج وما جرى مجراهم من سائر الأهواء المخالفة للحق.
وإما قسم أرادوا لأنفسهم دنيا فخرجوا على إمام حق أو على من هو في السيرة مثلهم، فإن تعدت هذه الطائفة إلى إخافة الطريق أو إلى نال من لقوا أو سفك الدماء انتقل حكمهم إلى حكم المحاربين وهم ما لم يفعلوا ذلك في حكم البغاة.( محمد علي ابن حزم المحلى جـ 12 صـ 497).
من التعاريف السابقة نستطيع أن نستنتج أن البغي هو الخروج على من ثبتت إمامته بتأويل سائغ وبشرط أن يتوفر لدى الخارج القصد الجنائي، أي قصد الخروج على الإمام بغرض خلعه أو عدم طاعته وأن يكون استعمال القوة هو وسيلة الخروج ..

ومن هذا الإجمال نلجأ إلى تفصيل لابد منه فنتناول الشروط الثلاثة الواجب توافرها في جريمة البغي وهي:

الشرط الأول: الخروج على من ثبتت إمامته بتأويل .

الشرط الثاني: استعمال القوة في الخروج وأن يكون بشوكة .

الشرط الثالث: نية الخارج .

الشرط الأول

الخروج على الإمام ..

الإمام هو رئيس الدولة الإسلامية الأعلى أو من ينوب عنه من سلطان أو وزير أو حاكم إلى غير ذلك من المصطلحات ويشترط فيه أن يقيم الدين وينصر السنة وينصف المظلومين وأن يكون ذكرا مكلفا عدلا ..

1 ـ لا يعتبر الخروج على الإمام قبل أن تثبت إمامته بغيا

ذكره ابن حزم في قصة مقتل عمر بن الخطاب فيما حدّث به عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال حين قتل عمر بن الخطاب: انتهيت إلى الهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة وهو مجوسي فتبعتهم فثارا وسقط من بينهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، وقال عبد الرحمن فانظروا بم قتل عمر؟ فوجدوه خنجرا على النعت الذي نعت عبد الرحمن، فخرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب مشتملا على السيف حتى أتى الهرمزان فقال اصحبني إلى فرس لي، وكان الهرمزان خبيرا بالخيل، فخرج بين يديه فعلاه عبيد الله بالسيف فلما وجد حد السيف قال لا إله إلا الله فقتله، ثم أتى جفينة وكان نصرانيا، فلما أشرف له علاه بالسيف فضربه ضربة فصلت ما بين عينيه، ثم أتى ابنة أبي لؤلؤة جارية صغيرة تدعي الإسلام فقتلها ثم أقبل بالسيف صلتا في يده وهو يقول والله لا اترك سبيا في المدينة إلا قتلته وغيرهم، كأنه يعرض بناس من المهاجرين، فجعلوا يقولون له : ألق السيف فأبى ويهابونه أن يقربوا منه حتى أتاه عمرو بن العاص فقال له: أعطي السيف يا بن أخي، فأعطاه إياه ، ثم سار إليه عثمان فأخذ برأسه فتناحبا حتى حجز الناس بينهما فلما ولى عثمان قال : أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق، يعني عبيد لله بن عمر، فأشار عليه المهاجرون أن يقتله، وقال جماعة من الناس: عمر بالأمس وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم ؟ أبعد الله الهرمزان وجفينه ، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر ولك على الناس من سلطان، إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك، فاصفح عنه يا أمير المؤمنين . قال فتفرق الناس عن خطبة عمرو وورى عثمان الرجلين والجارية. (المحلى مسألة 2163 ج 12 ص 527)..

ووجه الدلالة على ما نحن بصدده من هذه الواقعة أن عبيد الله بن عمر قتل ولم يقتص منه ولم يغرم ديه حيث لم تكن يد الإمام، إذ لم يكن عثمان رضي الله عنه قد ولي الخلافة بعد، كما أن عبيد الله بن عمر لم يكن باغيا حين قتل من قتل ولا في وقت كان فيه باغ من المسلمين على وجه الأرض، فلم يكن عثمان قد ولي الخلافة بعد ولم يكن هناك حاكم في المدينة خرج عليه عبيد الله فوصف البغي منتف أصلا عن عبيد الله .

2 ـ وتثبت الإمامة بأربعة طرق

كما جاء في الأحكام السلطانية للماوردي والمغنى على مختصر الخرافي لمحمد بن عبد الله بن قدامة (ج 8 ص 108) :

أ ـ باختيار أهل الحل والعقد من العلماء والفقهاء وأرباب الحل والعقد كما حدث في بيعة أبي بكر على أثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ..

ب ـ باختيار الإمام السابق لمن يليه ، كما حدث في إختيار أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حيث عهد إلى عمر بقوله : (بسم الله الرحمن الرحيم ن هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده من الدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر، إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فإن بر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه ، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) .. ويصح أن يعهد الإمام لولده كما فعل معاوية وغيره من الخلفاء الأمويين والعباسيين وغيرهم ..

ج ـ بجعل الإمام السابق الأمر شورى في جماعة معينة يختارون الإمام الجديد من بينهم أو يختاره أهل الحل والعقد كما فعل عمر بن الخطاب حيث ترك الأمر شورى في سته من الصحابة فاختاروا من بينهم عثمان ..

د ـ بالتغلب والقهر حيث يظهر المتغلب على الناس ويقهرهم حتى يدعونه إماما ، فثبتت أن له الإمامة وتجب طاعته على الرعية ومثل ذلك ما حدث من عبد الملك بن مروان حين خرج على عبد الله بن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها إماما عليهم.

وإذا ثبتت الإمامة بإحدى هذه الطرق كان الخروج على الإمام بغيا..

والإسلام لا يجيز الخروج على الحاكم أو خلعه أو قتاله إلا إذا أتى كفرا بواحا أي كفرا صريحا لا شك فيه وإنما واجبنا معه السمع والطاعة يقول الحق سبحانه وتعالى (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فمن هم (أولي الأمر)؟ .إنهم كما يقول علماء الشريعة فريقان :

أولو الأمر الديني وهم المجتهدون وأهل الفتيا .

أولو الأمر الدنيوي وهم الذين يعنينا هنا أمرهم ، هم من نطلق عليهم في عصرنا الحديث الحكام أي رجال السلطتين التشريعية والتنفيذية .

الملاحظ أن بعض علماء الشريعة يستعملون أحيانا في كتاباتهم ـ لاسيما في عهد ما قبل الثورة في مصرـ اصطلاح ولي الأمر أي بصيغة المفرد ، وهم يعنون به رئيس الدولة مع أن القرآن الكريم لم يستعمل بتاتا هذا الاصطلاح بهذه الصيغة بل كان دائما لا يذكر إلا أولي الأمر بصيغة الجمع وذلك أيضا كما في قوله تعالى (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ويلاحظ أن أولي الأمر في هذه الآية إنما يقصد بهم ـ كما يقول الزمخشري ـ في الكشاف هم كبراء الصحابة البصراء بالأمور ..
هذه الملحوظة ليست كما قد يظن مجرد مسألة شكلية ، بل هي تنطوي على مغزى جوهري وهو أن الإسلام لا يقر لفرد أن يستأثر وحده بجميع السلطات أو بالاجتهاد والفتيا في الشئون الدينية والدنيوية ، فطاعة الله سبحانه وتعالى ملزمة وكذلك طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ملزمة ومن ثم قال سبحانه (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)ولم يقل (وأطيعوا أولى الأمر منكم) وإنما قال (وأولي الأمر منكم)، لأن طاعتهم ـ أي أولي الأمرـ ملزمة ما أطاعوا الله فينا فإن عصوا الله فلا طاعة لهم علينا وذلك مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة) .

على أنه يلاحظ أن الحاكم (رئيس الدولة) أو الإمام يشترط فيه في الإسلام أن يكون مجتهدا وإذا لم يكن كذلك فإن عليه أن يرجع ـ في أمور الحل والحرمة ـ إلى أولي الأمر الديني ـ أي المجتهدين وأهل الفتيا ـ كما يلاحظ أنه على الحكام ـ في الإسلام ـ أن يأخذوا بمبدأ الشورى ـ فكما قلنا أن القرآن يشير إلى (أولي الأمر)دائما بصيغة الجمع فهو لم يذكر بتاتا حتى مرة واحدة (ولي الأمر) أي بصيغة المفرد ـ لأنه ـ أي القرآن ـ لا يعرف حكم الفرد ولا يلزم أحدا بفتوى الفرد..(الدكتور عبد الحميد متولي ـ مبادئ نظام الحكم في الإسلام ص 50).

فالإسلام لا يجيز الخروج على الحاكم بأي حال من الأحوال، ففي صحيح مسلم كتاب الإمارة:
[ و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ‏ ‏ح‏ ‏وحَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَّامٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ‏ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ كَيْفَ قَالَ‏ ‏يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ‏] 3435حديث رقم ـ صحيح مسلم ـ كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.

مسلك صاحب السلطة الشرعية مع البغاة

من المتفق عليه في كل المذاهب الشرعية أن قتال الخارجين لا يجوز قبل سؤالهم عن سبب الخروج والأصل في ذلك كما قال الإمام ابن حزم:
( .. هو قول الحق سبحانه وتعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله)..

فأمر الله تعالى بالإصلاح ثم بالقتال فلا يجوز أن يقدم القتال على الإصلاح ولا يكون الإصلاح إلا برد المظالم ورفع الجور، فيجب على صاحب السلطة الشرعية ألا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينا ناصحا لهم يسألهم عن الأسباب التي دعتهم إلى الخروج فإذا ذكروا مظلمة كانت سببا في ذلك أو ذكروا شبهه أزالها لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة فإن أصروا بعد إزالة مظالمهم أو رد شبهاتهم على موقفهم نصحهم ووعظهم وبين لهم سوء عاقبة عملهم وأمرهم بالعود إلى الطاعة لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود

4 ــ الخارجون على الإمام ثلاثة أنواع

أولا: الخارجون بلا تأويل سواء كانوا ذوي منعه أو شوكة أو لا منعه لهم

وحكم الخارجين بلا تأويل ولا شوكة لهم عند أبي حنيفة وأحمد حكم قطاع الطرق فيعاملون على هذا الأساس وكتب الحنابلة والأحناف تجعل حكمهم حكم قطاع الطريق دون تفصيل مما يفهم منه أنهم يقررون الأمر كذلك دون قيد أو شرط..
أما حكمهم عند الشافعي فهو حكم غيرهم من أهل العدل ويحاسبون على ما يأتون من أفعال فإن كونت جريمة حرابه عوقبوا على الحرابة وإن كونت جرائم أخرى عوقبوا عليها ..

ثانيا: الخارجون بتأويل ولا شوكة أو لا منعه لهم

على الرغم من أن الرأي الراجح في مذهب الإمام أحمد أن المتأول بلا شوكة يعتبر محاربا فإن بعض فقهاء المذهب لا يشترط الشوكة مع التأويل فلا فرق عنده بين الكثير والقليل ما دام الخروج أساس التأويل ويعتبر المتأول بلا شوكة باغيا لا محاربا وحجتهم في هذا هو أن الخروج أساس التأويل لا الشوكة وعقيدة الخارج لا عدد من يشاركونه تلك العقيدة فلا معنى لاشتراط الشوكة..

ثالثا: الخارجون بتأويل وشوكة وهم قسمان

1 ـ الخوارج ومن يذهبون مذهبهم ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويسبون نسائهم ويكفرون بعض أصحاب سول الله..

2 ـ الخارجون بتأويل ولهم منعه وشوكة ممن لا يذهبون مذهب الخوارج ولا يستحلون دماء المسلمين ولا يستبيحون دمائهم وأموالهم ونسائهم..

وحجة القائلون بالشوكة أن ابن ملجم لما جرح عليا قال علي للحسن: (أطعموه واسقوه واحبسوه فإن عشت فأنا ولي دمي أعفوا إن شئت وإن شئت استقدت وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به) فقد اعتبر علي جريمة ابن ملجم جريمة عادية ولم يعتبره باغيا لأن خروجه لم يكن بشوكة كما أن إثبات حكم البغاة للعدد اليسير يشجع على الخروج ويؤدي إلى إتلاف أموال الناس لأن البغاة يسقط عنهم ضمان ما أتلفوا.. هذا عن الأحناف..

أما مذهب مالك فيمن يعتبر باغيا هو كل من امتنع عن الطاعة في غير معصية بمغالبة ولو تأويلا فكل من خرج بمغالبة فهو باغ سواء كان متأولا أو غير متأول ذا منعة وشوكة أو ليس له منعه وشوكة، ويجوز أن يكون الباغي فردا واحدا ويجوز أن يكون الباغي أكثر من فرد واحد ، ولعل المالكية يتفقون مع ما يراه الحنفية.(المغني لابن قدامة ج 10 ص 49).

يقول الدردير في الشرح الكبير هامش حاشية الدسوقي ولا يضمن باغ متأول في خروجه على الإمام ما أتلف من نفس أو مال حال خروجه لعذره بالتأويل بخلاف الباغي غير المتأول. (الشرح الكبير هامش حاشية الدسوقي ج 4 ص 266).

ويقول ابن حزم إن كل من خرج على الإمام مغالبة بتأويل أو غير تأويل فهو باغ سواء كان فردا أو جماعة ما لم يكن خروجه بحق فهو ليس باغيا.(المحلى لابن حزم ج 12 ص 525).

أما عند الشافعيين فيعتبر الخارج باغيا ولو كان خارجا بحق وسواء كان على صواب أو على خطأ وذلك لأن الخارج يسلك الطريق الصحيح الذي يؤدي لإقرار وتصحيح الخطأ فإذن لم يكونوا بغاة فيما يطلبون ولكن بغاة في تحقيق اختيار الوسيلة التي يريدون بها الوصول إلى حقهم لأنها تؤدي إلى الفساد وزعزعة أركان الدولة لأنه من المحرم عليهم الخرج على من ثبتت إمامته لأن من ثبتت إمامته تجب طاعته. (أسنى المطالب شرح روض الطالب لأبي يحيى زكريا الأنصاري ج 4 ص 111).

كما أهم يشترطون لوجود المنعة أو الشوكة أن يكون في الخارجين مطاع ولو لم يكن إماما عليهم يسمعون له ويطيعون له لأن الشوكة لا تتم إلا بوجوده ولأنه لا شوكة لمن لا مطاع فيهم مهما كانت قوتهم..

5 ــ المقصود بالتأويل

التأويل المقصود هو إدعاء سبب للخروج والتدليل عليه، ويستوي أن يكون التأويل صحيحا أو فاسدا حتى ولو كانت الأدلة علي التأويل ضعيفة..
مثال ذلك :
11 ـ إدعاء أهل الشام في عهد علي بأنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم فقصة التحكيم التي وقعت بين عمرو ابن العاص وأبي موسى الأشعري تعطي انطباعا خاطئا لأن الخلاف كان له صورة أخرى، إذ أن معاوية رفض إعلان البيعة لعلي ابن أبي طالب بحجة أنه كان مقصرا في توقيع العقاب على قتلة عثمان ابن عفان أي أن القضية لم تكن تتعلق بالخلافة وإنما كانت تتعلق بأحقية علي في البيعة قبل توقيع ذلك القصاص فهذا هو أساس الخروج على علي ابن أبي طالب وهو تأويل فاسد لأنه بأي صفة قانونية كانت تلزم علي رضي الله عنه بتوقيع القصاص وهي ـ لم تؤول ـ إليه بعد؟..

ولكن منشأ هذا التأويل الفاسد هو المركز القانوني لمعاوية ذلك أن معاوية كان واليا على الشام في خلافة عمر ابن الخطاب فلما انتقل عمر إلى الرفيق الأعلى وولى عثمان أقره على ولاية الشام فلما استشهد عثمان وولى علي لم يقر معاوية على ولاية الشام وبالتالي فقد معاوية مركزه القانوني كحاكم للشام ، وحين امتنع معاوية عن بيعة علي بحجة انتظار القصاص من قتلة عثمان كان هذا يعني أن معاوية ومن تبعه قد صاروا خارجين على الإمام الشرعي وصار حكمهم حكم الثائرين على ولي الأمر..

2 ـ نوع آخر من التأويل الفاسد..
كإدعاء الخوارج الذين خرجوا من عسكر علي أنه كفر ومن معه من الصحابة حيث حكم الرجال في دين الله والله تعالى يقول (إن الحكم إلا لله) وتلك كبيرة ومرتكب الكبيرة في رأيهم كافر ، وفساد هذا التأويل مرجعه إلى أنه هناك فرق كبير بين قول الإنسان (لنحكم بما أنزل الله) وقول آخر (إن الحكم إلا لله) ، الإنسان الأول يستدعي المشورة ويفكر في أسلوب للحكم بما أنزل الله أما الثاني فلم يفعل شيئا لقد أنكر حكم البشر وخرج لقد انشق على الجماعة رافضا ولم يقدم بديلا واحدا لما يرفضه أو يشير لبديل واحد يمكن أن يقبل به وهذا تعطيل للعقل البشري والشريعة والاجتهاد..

ثمة أمر آخر في منتهى الأهمية ألا وهو أن من يزعم أنه يحكم بحكم الله ـ هكذا مجردا ـ يعني أن نقده غير ممكن ولا جائز لأن نقد الله عز وجل غير ممكن ولا جائز فهو كفر وبالتالي تفقد الدولة الإسلامية عنصر الشورى والحرية وتتحول إلى دولة ثيوقراطية استبدادية، ومن ثم قال علي بن أبي طالب فور سماعه هذه الكلمة (إن الحكم إلا لله) قال : كلمة حق يراد بها باطل..

الشرط الثاني :

استعمال القوة في الخروج وأن يكون بشوكة ومنعة

يشترط لكي يكون الخروج بغيا أن يكون استعمال القوة هو شرط الخروج، فإذا كان الخروج غير مصحوب باستخدام القوة فلا يعتبر بغيا، كرفض مبايعة الإمام بعد أن بايعت له الأغلبية، فقد امتنع علي بن أبي طالب عن مبايعة أبي بكر أشهرا ثم بايع ورفض سعد بن عبادة مبايعته ولم يبايعه حتى مات، وكامتناع عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر لمبايعة يزيد ومثل ما وقع من الخوارج في عهد علي رضي الله تعالى عنه فهو لم يتعرض لهم حتى استعملوا القوة ولم يعتبرهم بغاة إلا بعد استعمالها..

ويعتبر الخروج بغيا عند مالك والشافعي وأحمد وابن حزم حينما يبدأ الخارجون باستعمال القوة فعلا ، أما قبل استعمالها فلا يعتبر الخروج بغيا ولا يعتبرون بغاة ويعاملون كما يعامل العادلون ولو تحيزوا في مكان وتجمعوا ولو كانوا يقصدون استعمال القوة في الوقت المناسب..
أما أبو حنيفة فيعتبرهم بغاة ويعتبر حالة البغي قائمة من وقت تجمعهم بقصد القتال والامتناع لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه القمع..

1 ـ ولا يبدأ الإمام قتال الخارجين عليه إلا بعد أن يراسلهم و يسألهم عن سبب خروجهم فإن ذكروا مظلمة أزالها أو شبهة كشفها لأن ذلك طريق إلى الصلح ووسيلة إلى الرجوع عن الحق ، وقد فعل ذلك علي ابن أبي طالب ولأن الله سبحانه وتعالى يقول (فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي) فيجب أن يتقدم ما قدمه الله سبحانه وتعالى وهو الصلح ويتأخر ما أخره وهو القتال، ثم يدعوهم بعد ذلك للطاعة فإن استجابوا وإلا قاتلهم إلا أن يعاجلوه بالقتال فله أن يقاتلهم دون أن يسألهم..

2 ـ وتعتبر حالة البغي قائمة طالما الباغي في مركز المقاتل أو المدافع ، ففي الشرح الكبير للدردير أنه من ألقى سلاحه من البغاة أو كف عن القتال فلا يجوز قتله حيث زالت حالة البغي وهي استعمال القوة وعلى هذا الأساس لا يقتل المدبر ولا الأسير ولا يجهز على الجريح سواء كانت حالة الحرب قائمة أو انتهت وهذا ما يراه الشافعي وأحمد. (الشرح الكبير للدردير هامش حاشية الدسوقي ح 4 ص 265).

وفي مذهب أحمد لا يتبع المدبر أصلا ولا يقتل ولو كان متحيزا إلى فئة، وفي مذهب الشافعي أنه يجب إتباع المنهزمين إذا انهزموا مجتمعين أو انسحبوا بنظام وكانوا متفرقين فإذا هم انهزموا متفرقين بحيث تزول شوكتهم لم يتبعوا وإلا اتبعوا حتى يتبددوا وتزول شوكتهم ومن تخلف منهم عجزوا أو ألقى سلاحا تاركا للقتال لم يقاتل. (أسنى المطالب شرح روض الطالب ج 4 ص 114).

3 ـ والقاعدة عند المالكيين أنه لا يتبع المنهزم ولا يجهز على الجريح ، إلا إذا خيف منهم أو انحازوا إلى فئة ففي هذه الحالة يتبع المنهزم أما الأسير فإذا كانت الحرب قائمة فللإمام قتله ولو كانوا جماعة إذا خيف أن يكون منهم ضرر فإذا انقطعت الحرب فلا يقتل.(مواهب الجليل مختصر خليل للخطاب ص 277).

4 ـ ويرى ابن حزم أنه لا يجوز قتل الأسير بأي حال ولو أن قتله كان مباحا قبل الإسار لأن حل قتله قبل الإسار ليس مطلقا وإنما الذي أحل قتله هو قتاله أو دفاعه فإن لم يكن باغيا أي مقاتلا أو مدافعا حرم قتله لزوال حالة البغي وهو إذا أسر فليس حينئذ باغيا ولا مدافعا فدمه محرم وكذلك لو ترك القتال وقعد مكانه ولم يدافع يحرم دمه وإن لم يؤسر لأن الله جل شانه قال (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) فمن فاء فلا يقاتل وإنما حل قتال الباغي بمقاتلة ولم يحل قتله قط في غير المقاتلة وكذلك الحكم في الجرحى لأن الجريح إذا قدر عليه فهو أسير وأما لم يقدر عليه كان ممتنعا فهو باغ وأما المدبرون فإن كانوا تاركين للقتال جملة منصرفون إلى بيوتهم فلا يحل إتباعهم أصلا وإن كانوا منحازين إلى فئة أو لاذين بمعقل أو زائلين عن الغالبين لهم من أهل العدل إلى مكان يأمنون فيه ثم يعودون إلى حالهم فيتبعون لأن الله افترض علينا قتالهم حتى يفيئوا لأمر الله وهم لم يفيئوا بعد إلى أمر الله، وإذا قتل من البغاة أسير أو جريح أو مدبر عند من لا يجيزون قتله فقاتله مسئول عن قتله جنائيا ويرى بعضهم هم القصاص من القاتل لأنه قتل معصوما لا شبهه في قتله ، ويرى البعض أن لا قصاص لأن في قتلهم اختلافا بين الأئمة فكان ذلك شبهه دارئه للقصاص عند من يقول أن الشبهات تدرأ الحدود. ( المحلى لابن حزم ج 12 ص 505).

وأبي حنيفة يرى أن أموال البغاة تظل على ملكهم وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد فكلهم ـ أي الأئمة ـ يتفقون على تحريم أموال البغاة وسبي ذراريهم لأنهم معصومون وإنما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم وما عداه يبقي على أصل التحريم، وقد رويَ أن علي رضي الله تعالى عنه يوم الجمل قال من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه..

وكان بعض أصحاب علي قد أخذ قدرا وهو يطبخ فيها فجاء صاحبها ليأخذها فسأله الذي يطبخ فيها إمهاله حتى ينضج الطبخ فأبى وكبه وأخذها وبعد موقعة النهروان أمر عليا مناديه فنادى أن لا يقتل مقبل ولا مدبر بعد الهزيمة ولا يفتح باب ولا يستحل فرج ولا مال ذلك لأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم إلا ما حصل ضرورة وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة..

ويرى الشافعي أنه لا يجوز استعمال شيء من أموال البغاة وأنها ترد جميعا بعد انتهاء الحرب لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه لكن إذا اقتضت الضرورة استعمال مال من أموال البغاة جاز استعماله كما لو تعين استعمال سلاحهم للدفاع أو استعمال خيلهم للتغلب عليهم ويرى البعض أنه يجب أن تؤدي أجرة المال المستعمل كما هو الشأن في حالة الضرورة ولا يرى البعض ذلك لأن الضرورة هنا منشأها فعل البغاة ولم تنشأ من جهة المضطر ومذهب الظاهريين كمذهب الشافعي فهم يرون الحيلولة بين البغاة وبين كل ما يستعينون به على باطلهم من مال أو سلاح فيحبس عنهم حتى يفيئوا ولا يجوز استعماله إذا اضطر أهل العدل لأن يدفعوا به عن أنفسهم. (أسنى المطالب شرح روض الطالب ج 4 ص 114).

أحكام قتلى أهل العدل والبغاة :

بالنسبة لقتيل أهل العدل فيرى الظاهرية أنه ليس شهيدا بل يغسل ويصلى عليه ويدفن لأنهم وإن ماتوا شهداء في ظاهر الأمر إلا أنهم لم يموتوا في معركة الكفار وذلك استنادا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعيد ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد) ومن طريق أحمد بن شعيب يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم (ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد)..

ومن قتل من أهل العدل قتل على أحد هذه الوجوه فهو من ظاهر الأمر شهيد ، وليس كل شهيد يدفن دون غسل ولا صلاه وقد صح أن المبطون شهيد والمطعون شهيد والغريق شهيد وكل هؤلاء لا خلاف في أنهم يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم..

والأصل في كل مسلم كذلك إلا من خصه نص أو إجماع ولا نص ولا إجماع إلا فيمن قتله الكفار في المعترك ومات في مصرعه فهؤلاء هم الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلزموا بدمائهم في ثيابهم ويدفنون كما هم دون غسل ولا تكفين ولا يجب فرضا عليهم صلاه فبقي سائر الشهداء والموتى على حكم الإسلام في الغسل والتكفين والصلاة. (المحلى لابن حزم ج 12 ص 516).

والمالكية يوافقون الظاهرية في ذلك وعند بعض الشافعيين كذلك أنه مسلم قتل في غير حرب الكفار فهو كمن قتله اللصوص وكذلك عند الحنابلة من أن قتيل أهل العدل ليس شهيدا بالمعنى الاصطلاحي الذي يترتب عليه عدم الغسل والتكفين وأما قتيل أهل البغي فيرى المالكية والشافعية والحنابلة أن من قتل من البغاة يغسل ويكفن ويصلى عليه فما دام يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه تجري عليه أحكام المسلمين لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلوا على من قال لا إله إلا الله) ولأنهم مسلمون ولا شك أنهم لم يكفروا ببغيهم وما دام الأمر كذلك تجري عليهم أحكام المسلمين ، إلا أن الإمام أحمد لا يصلي على بعض البغاة كالخوارج الذين يكفرون بعض المسلمين فإنه قال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم..

الشرط الثالث

نية الخارج

يشترط لوجود البغي أن يتوفر لدى الخارج القصد الجنائي أي قصد الخروج على الإمام مغالبة بقصد خلعه أو عدم طاعته فإذا كان الخارج لم يقصد من فعله الخروج على الإمام أو لم يقصد المغالبة فهو ليس باغيا..

وعن مسئولية الباغي أثناء المغالبة يقول الأستاذ عبد القادر عودة أن الجرائم التي تقع من البغاة أثناء المغالبة والحرب وإما أن لا تقتضيها حالة الحرب كمقاومة رجال الدولة وقتلهم والاستيلاء على البلاد وحكمها والاستيلاء على الأموال العامة وجبايتها وإتلاف الطرق والكباري وإشعال النار في الحصون وكشف الأسوار والمستودعات وغير ذلك مما تقتضيه ردعهم والتغلب عليهم فإذا ظهرت الدولة عليهم وألقوا سلاحهم عصمت دماؤهم وأموالهم وكان لولي الأمر أن يعفوا عنهم وأن يعزرهم على بغيهم لا على الجرائم والأفعال التي أتوها أثناء خروجهم. (التشريح الجنائي ج 2 ص 198).

فعقوبة البغي عند التغلب على البغاة هي التعزير أما عقوبة البغي في حالة المغالبة والحرب فهي القتال ذلك إن جاز أن نسميها عقوبة وما يستتبعه من قتل وجرح وقطع والواقع أن القتال لا يعتبر عقوبة وإنما هو إجراء دفاعي لدفع البغاة وردهم إلى الطاعة ولو كان عقوبة لجاز قتل البغاة بعد التغلب عليهم لأن العقوبة هي جزاء على ما وقع ولكن من المتفق عليه أنه إذا انتهت حالة المغالبة امتنع القتال و القتل..

والخلاف منحصر في قتل الأسير والإجهاز على الجريح حيث يجيزه البعض ولا يجيزه البعض فإذا انتهت حالة المغالبة فالباغي معصوم الدم لأن البغي هو الذي أباح دمه ولا بغي إذا لم تكن مغالبة ، فعن عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله ابن مسعود (هل تدري يا ابن أم عبد كيف حكم فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها) ، كذلك يجوز للسلطات مؤاخذة (قاتل الباغي) باعتباره مفتاتا على السلطات العامة وذلك إذا لم تأذن له بذلك..
خاتمة هذا الجزء
ظهر من موضوع البغي أن البغاة تختلف أحكامهم بحسب أحوالهم وأنه في أحوال يجوز للإمام تعزيرهم وفي أحوال أخرى يجوز قتلهم كما في حالة الاشتباك.. والملاحظ أنه في القتل في حالة الاشتباك لا يحتاج لحكم يصدر بالإعدام فهو نتيجة طبيعية لمسلكهم فلا يمكن القول حيال ذلك أن البغاة لهم عقوبة محددة مقدما من الشارع وهي الإعدام لأن الإعدام ليس مقصودا لذاته وإنما هو دفع لشر البغاة وإعادتهم إلى الطاعة..

ولعل طبيعة جريمة البغي هي التي جعلت لها تلك الأحكام التي تتميز عن أحكام الكفار والمرتدين من جهة وقطاع الطريق من جهة أخرى ذلك أن البغاة مفروض فيهم أنه ليس من غرضهم المال ينهبونه والأنفس يقتلونها ظلما ولا السعي في الأرض بالفساد وليست مقاومتهم لأجل الدين في ذاته لأنهم مسلمون ولكن لوقوفهم في وجه صاحب السلطة الشرعية ينازعون السلطة هادفين إلى تغييره لا بقصد الإفساد في الأرض وإنما بتأويل سائغ نحي عنهم وصف الإفساد في الأرض وكان عاملا في تكييف خروجهم تكييفا ينأى بهم عن نطاق الجريمة العادية..

وإذا نظرنا إلى ما يحدث مجرد الخروج مرتبطا بأهدافه نظريا وبعيدا عن واقع الاشتباك الفعلي وجدنا أنه يفتح بابا للفتنة والاضطراب واسعا قد يكون خطره مدمرا، وحسبنا ما تمخضت عنه الفتنة الكبرى من انقسام كلمة المسلمين ثم تناحرهم الأمر الذي أتاح لأعداء الإسلام فرص النفخ في نارها حتى هاجت واشتد هياجها وأصبح المسلمون شيعا وأحزابا..

هذا الواقع الأليم من حصاد التجربة يطمئننا إلى القول بأنه ليس ثمة ما يمنع من وضع عقوبات تعزيرية للخارجين عن السلطة الشرعية..

والمفروض أن صاحب السلطة الشرعية في الدولة الإسلامية يقيم الحكم على نحو ما أنزل الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والخروج عليه معصية والمعاصي تواجه بالتعزيرات الملائمة..

كما أنه من المفروض أصلا أنه إن كانت هناك مظلمة لفرد أو جماعة يجب أن تقدم وتناقش وتعالج بما يظهر أنه الحق فإذا لم ينصع الخارجون فهم في هذه الحالة عاصون..