%d9%84%d8%a8%d9%8a%d9%834

الميثاق العام والميثاق الخاص والغرض من الحج
لماذا نحج؟..
في عالم الذر أخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق على جميع خلقه من بني آدم و(وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ)…( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)..( قَالُواْ بَلَى)..

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ* أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ* )سورة الأعراف:172 ـ 173.

دققوا في قوله سبحانه أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه فطرهم على ذلك .

ثمّ إنّ القرآن الكريم يذكر ذلك الميثاق في آية أخرى على وجه الاختصار حيث اصطفى من هذا الخلق بعضا من خلقه هم رسله إلى البشر ويقول : ( وَإِذْ أخَذْنَا منَ النَّبيِّينَ ميْثَاقَهُمْ وَمنْكَ وَمِنْ نُوح وابرَاهِيمَ ومُوسَى وَعيسَى ابن مَريَمَ واَخَذَنا مِنْهُم مِيثَاقاً غَليِظاً ) الأحزاب/7 .

وقد ذكر سبحانه وتعالى النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثمّ سمّى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم ، ولم يخصّهم بالذكر إلاّ لعظمة شأنهم ورفعة مكانتهم ، فإنّهم أصحاب الشرائع ، وقد عدّهم على ترتيب زمانهم لكن قدّم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو آخرهم زماناً لفضله وشرفه ، وتقدّمه على الجميع ، وسمّى هذا الميثاق بالميثاق الغليظ ، إذ به تستقر كلمة التوحيد ورفض الوثنية في المجتمع البشري ، فلو لم يؤمن نبي سابق باللاحق ولم ينصره ، كما أنّه لم يصدّق نبي لاحق النبي السابق لفشلت الدعوة الإلهية من الانتشار وسادت الفوضى في الدين.

فبما أنّ رسالة النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسالة عالميّة خاتمة لجميع الرسالات أُخذ من جميع الأنبياء الميثاق على الإيمان به ، ونصرته ، والتبشير به ليسدَّ باب العذر على جميع الأمم حتّى يتظلّل الكلّ تحت لواء رسالته ويسيّر البشر عامّة تحت قيادته إلى السعادة.
إنّ إضافة الميثاق إلى النبيّين ( ميثاقهم ) يعرب عن كون المراد الميثاق هو الميثاق الخاص بهم ، كما أنّ ذكرهم بوصف النبوّة مشعر بذلك.
( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيْثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌّ مُصَدَّقٌّ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) آل عمران/81.

فهناك إذن ميثاقان :
ميثاق مأخوذ من عامّة البشر وهو الذي يشير إليه قوله تعالى : ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ منْ بَني آدمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمَ وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى ) الأعراف/172.
وميثاق أخر مأخوذ على رسل الله جميعا..

بعدما اخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق العام والميثاق الخاص على عباده في عالم الذر،كان الحجر الأسود شاهدا على ذلك فقال الله سبحانه وتعالى للحجر اشهد فشهد على شهادة الخلق لوحدانية الخالق..ومن ثم فأنت حينما تذهب للحج إنما تذهب لتجديد ذلك العهد والميثاق فتستقبل الحجر الأسود بيمينك ومن عنده تبدأ الطواف.وَهُوَ الشَّاهِدُ لِمَنْ وَافَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالشَّاهِدُ عَلَى مَنْ أَدَّى إِلَيْهِ الْمِيثَاقَ وَالْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبَادِ وَأَمَّا الْقُبْلَةُ وَالِاسْتِلَامُ فَلِعِلَّةِ الْعَهْدِ تَجْدِيداً لِذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَتَجْدِيداً لِلْبَيْعَةِ لِيُؤَدُّوا إِلَيْهِ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ فَيَأْتُوهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيُؤَدُّوا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْعَهْدَ وَالْأَمَانَةَ اللَّذَيْنِ أُخِذَا عَلَيْهِمْ ..

ومن ثم كان الغرض من حجك هو تجديد العهد والميثاق لله سبحانه وتعالى بالتوحيد أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ اللَّهُمَّ تَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ وَعَلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ..فلقد كان الحجر شاهدا عليك هناك..في عالم الذر.

فكم من حاج توجه إلى بيت الله الحرام وفي نيته تجديد العهد والميثاق مع الله سبحانه وتعالى؟..

إن لم تستطيعوا فجددوه مع أنفسكم في كل صلاة وأنتم تستقبلون بيت الله الحرام (القبلة)..
فكأنك تحج إلى بيت الله الحرام يوميا وليس في العمر مرة..

 656%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%ac%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%8521

ليطوّفوا بالبيت العتيق
وبينما أشاهد نفرة الحجاج إلى جبل عرفات ..اثنين مليون مسلم ..جمعهم آذان أطلقه أبو الأنبياء إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الفراغ من رفع قواعد البيت العتيق امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى:

[ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ](الحج : 27 ) .
لماذا؟…

لماذا يا رب؟..

(لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ )الحج :٢8ـ29

تأمل قوله تعالى:[ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ].

فهذه التعبئة للمسلمين من مختلف البلدان وعلى اختلاف الأجناس والألسنة أتوا مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ..

والتعبير بقوله تعالى [ يَأْتِينَ ] يفيد الدوام والاستمرار..

إنه نموذج فريد لوحدة الأمة الإسلامية وقوتها..

قفز إلى ذهني هذا الأمر وأنا أتابع على شاشة التلفاز المشهد التالي:

مدينة منى.. يتواجد بها اثنين مليون أسرة مسلمة، في زمن معين وفي وقت محدد في ليلة التاسع من شهر ذي الحجة.

اثنين مليون أسرة مسلمة..وفدت مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.. مختلفة الألوان والألسنة بكافة احتياجاتها المعيشية من مسكن وغذاء وشراب، وفضلات طبيعية وغير طبيعية ..

سكان هذه المدينة بالكامل..( اثنين مليون ) عليهم مغادرتها بعد صلاة الفجر، والانتقال إلى مدينة أخرى ( على سبيل المجاز ) هي عرفات..

وهناك في عرفات .. يصلون الظهر والعصر جمع تقديم ..
ويقفون موقفاً واحداً.. لا يجلسون ولا ينامون.. وقد ارتدى كل منهم لباساً خاصاً ذي مواصفات معينة ولون معين..وفي وقت محدد بالذات هو بين المغرب والعشاء..

يا الله..

هذه الحشود وتلك الجموع الغفيرة (2) مليون مسلم أتوا مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ من أجل لحظة محددة عمرها قصير وزمنها قليل.. بين المغرب والعشاء ..ولا يصلون..

يقفون كأنهم يوم الحشر.. وقد بعثوا من القبور..وقد ارتدوا أكفانهم..وبعد العشاء ، يرحلون..
يتوجهون إلى المزدلفة.. وهناك يصلون.. يصلون المغرب والعشاء جمع تأخير..

يا ألله..

اثنين مليون مسلم ومسلمة ..يصلّون الفجر في منى..ويغادرونها ، في وقت واحد..ليصلّوا الظهر والعصر في عرفة.. ويغادرون..ليصلّوا المغرب والعشاء في المزدلفة.ليتم جمع الجمرات توطئة لرجم الشيطان وحزبه..وبعد ذلك يعودون إلى مدينة منى مرة أخرى..

يا ألله..

هل تتخيلون..

اثنين مليون مسلم ومسلمة يتواجدون في ثلاثة بلدان مختلفة ومتجاورة عليهم التواجد والرحيل في زمن قدره..يومين وليلتين فقط..

جاؤوا طواعية وبكل الحب.. بذلوا من الجهد والمال.. ما بذلوا..

جاؤوا بكل الحب ودون إكراه..

لماذا؟..ليطوّفوا بالبيت العتيق..

قفزت هذه المعاني إلى ذهني وأنا أتأمل قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.]..
ورحت أتأمل صورة المسلمين اليوم..
وكأني اطلعت على حجب الغيب فلم أجد صديقاً لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأنا أقول ..
صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 tmp_011-1193632933

اِرجع فإنك لم تحجّ
الأبعاد والآداب المعنوية للحج

إنّ فريضة الحجّ معينٌ غنيٌ بالأبعاد والآداب المعنويّة والروحيّة، وللإطلالة على هذه الأبعاد المفضية إلى أسرارها،نذكر هذا الحوار بين العالم التقي زين العابدين (علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .أشهر ألقابه : زين العابدين)

والشبلي(أبو بكر الشبلي البغدادي واسمه دُلَفْ بن جحدر)..
إنّ العالم زين العابدين بيّن للشبلي مفاهيم الحج العالية; والآن نحن جميعاً – لا الشبلي وحده ـ بين يديه :
ولهذا نكتفي بذكر هذه الرواية هنا لعلوّ مضامينها ولما فيها من دروس نافعة وعبر وهي تبيّن لنا جانباً كبيراً من أسرار هذه الفريضة المقدّسة والرحلة المباركة.
لمّا رجع زين العابدين من الحجّ استقبله الشبلي.
فقال زين العابدين له: «حججت يا شبلي؟».
قال: نعم، يابن رسول الله.
فقال زين العابدين: «أَنَزلْتَ الميقات وتجرّدت عن مخيط الثياب واغتسلت؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «فحين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثوب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين تجرّدت عن مخيط ثيابك، نويت أنّك تجرّدت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين اغتسلت نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما نزلت الميقات، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت!».
ثم قال زين العابدين: «تنظّفت، وأحرمت وعقدت بالحج؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: فحين تنظّفت وأحرمت وعقدت الحج، نويت أنّك تنظّفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين أحرمت نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ محرّم حرّمه الله عزّوجلّ؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين عقدت الحجّ نويت أنّك قد حللت كلّ عقد لغير الله؟».
قال: لا.
قال له زين العابدين: «ما تنظّفت ولا أحرمت، ولا عقدت الحج!».
قال له زين العابدين: «أدخلت الميقات وصلّيت ركعتي الإِحرام ولبّيت؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «فحين دخلت الميقات، نويت أنك بنيّة الزيارة؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين صلّيت الركعتين، نويت أنّك تقرّبت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين لبّيت، نويت أنك نطقت لله ـ سبحانه ـ بكلّ طاعة، وصمت عن كلّ معصية؟».
قال: لا.
قال له زين العابدين: «ما دخلت الميقات، ولا صلّيت، ولا لبّيت!».
ثم قال له زين العابدين: «أدخلت الحرم ورأيت الكعبة وصلّيت؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «فحين دخلت الحرم، نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملّة الإِسلام؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين وصلت مكّة، نويت بقلبك أنّك قصدت الله؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما دخلت الحرم، ولا رأيت الكعبة، ولا صليت!».
ثم قال: «طفت بالبيت، ومسست الأركان، وسعيت؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «فحين سعيت نويت أنّك هربت إلى الله، وعرف منك ذلك علاّم الغيوب؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان، ولا سعيت!».
ثم قال له زين العابدين: «صافحت الحجر، ووقفت بمقام إبراهيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصلّيت به ركعتين؟».
قال: نعم.
فصاح زين العابدين صيحة كاد يفارق الدنيا ثم قال: «آه آه».
ثم قال: «من صافح الحجر الأسود، فقد صافح الله تعالى، فانظر يا مسكين! لا تضيّع أجر ما عظم حرمته، وتنقض المصافحة بالمخالفة، وقبض الحرام نظير أهل الآثام».
ثم قال زين العابدين: «نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنك وقفت على كلّ طاعة، وتخلّفت عن كلّ معصية؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فحين صلّيت فيه ركعتين، نويت أنك صلّيت بصلاة إبراهيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأرغمت بصلاتك أنف الشيطان؟».
قال: لا.
قال له زين العابدين: «فما صافحت الحجر الأسود، ولا وقفت عند المقام، ولا صلّيت فيه ركعتين!».
ثم قال زين العابدين له: «أَشْرَفْتَ على بئر زمزم، وشربت من مائها؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «أنويت أنّك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما أشرفت عليها، ولا شربت من مائها!».
ثم قال له زين العابدين: «أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وتردّدت بينهما؟».
قال: نعم.
قال له زين العابدين: «نويت أنّك بين الرجاء والخوف؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما سعيت، ولا مشيت، ولا ترددت بين الصفا والمروة!».
ثم قال زين العابدين: «أخرجت إلى منى؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «نويت أنك آمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما خرجت إلى منى!».
(ثم) قال له زين العابدين: «أوقفت الوقفة بعرفة، وطلعت جبل الرحمة، وعرفت وادي نمرة، ودعوت الله ـ سبحانه ـ عند الميل والجمرات؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «هل عرفت بموقفك بعرفة معرفة الله ـ سبحانه ـ أمر المعارف والعلوم، وعرفت قبض الله على صحيفتك واطّلاعه على سريرتك وقلبك؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «نويت بطلوعك جبل الرحمة، أن الله يرحم كلّ مؤمن ومؤمنة، ويتولى كلّ مسلم ومسلمة؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فنويت عند نمرة أنّك لا تأمر حتى تأتمر، ولا تزجر حتى تنزجر؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما وقفت عند العَلَم والنمرات، نويت أنها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر ربّ السموات؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت، ولا وقفت عند النمرات!».
ثم قال زين العابدين: «مررت بين العلمين، وصلّيت قبل مرورك ركعتين، ومشيت بمزدلفة، ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «فحين صلّيت ركعتين، نويت أنّها صلاة شكر في ليلة عشر، تنفي كلّ عسر، وتيسر كلّ يسر؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما مشيت بين العلمين ولم تعدل عنهما يميناً وشمالا، نويت أن لا تعدل عن دين الحقّ يميناً وشمالا لا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما مشيت بمزدلفة، ولقطت منها الحصى، نويت أنّك رفعت عنك كلّ معصية وجهل، وثبّت كلّ علم وعمل؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما مررت بالمشعر الحرام، نويت أنّك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى والخوف لله عزّوجلّ؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فما مررت بالعلمين، ولا صلّيت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام!».
ثم قال له زين العابدين: «وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصلّيت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإِفاضة؟».
قال: نعم.
قال زين العابدين: «فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجمار، أنّك بلغت إلى مطلبك، وقد قضى ربّك لك كلّ حاجتك؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما رميت الجمار، نويت أنّك رميت عدوّك إبليس وغضبته بتمام حجّك النفيس؟».
قال: لا.
قال زين العابدين : «فعندما حلقت رأسك، نويت أنك تطهّرت من الأدناس ومن تبعة بني آدم، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أُمّك؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما صلّيت في مسجد الخيف، نويت أنك لا تخاف إلاّ الله ـ عزّ وجلّ ـ وذنبك، ولا ترجو إلاّ رحمة الله تعالى؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما ذبحت هديك، نويت أنّك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسكت به من حقيقة الورع، وأنك اتّبعت سنّة إبراهيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحان قلبه، وأحييت سنّته لمن بعده، وقرّبه إلى الله تعالى لمن خلقه؟».
قال: لا.
قال زين العابدين: «فعندما رجعت إلى مكّة وطفت طواف الإِفاضة، نويت أنّك أفضت من رحمة الله ـ تعالى ـ ورجعت إلى طاعته، وتمسّكت بودّه، وأدّيت فرائضه، وتقرّبت إلى الله تعالى؟».
قال: لا.
قال له زين العابدين: «فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا أدّيت (في نسخة في نسخة: ذبحت. ) نسكك، ولا صلّيت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإِفاضة، ولا تقرّبت، اِرجع فإنك لم تحجّ!».
فطفق الشبلي يبكي على ما فرّطه في حجّه، وما زال يتعلّم حتى حجّ من قابل بمعرفة ويقين.
للأسف كلنا ذلك الشبلي..

 

 14322707_858759917558882_3839384602508418930_n

بين الجمر والحصى
امتلأ صحن الجمرات بالحصى بعد ثلاث ليال من رجم إبليس.. ها هو آخر الحجيج يرمي ما في جعبته من حصى وينطلق مودعا جمرة العقبة.
فُكَّ قيد إبليس ورموه بعيدا عن الديار المقدسة الى مكان قصي.
تهافتت الشياطين الصغيرة وأنواع الأبالسة ليطمئنوا على سيدهم الذي لم يعطهم فرصة للسؤال عنه والاطمئنان عليه إذ قال لهم انطلقوا إلى بني البشر لنزيل آثار العدوان.
لكن شيطانا صغيرا قال: عليك بالراحة يا سيدي بعد ما مررت به من رجم وعذاب.
رد إبليس: رجم نعم, أما آلام فلا.
يا شيطاني الصغير أنت لا تعرف الحقيقة.
الشيطان الصغير: أية حقيقة يا سيدي , ألم يرجمك أربعة ملايين لثلاث ليال متوالية… ألم تتعب وتتورم وتصاب بالعياء؟.
إبليس: يا بني هناك من يرمي حصى وهناك من يرمي جمرات.
يا شيطاني الصغير عندما يلتقط الحاج الحصى من على وجه الأرض إنما يلتقط حجارة ضئيلة.. لكن إيمانه وتوبته وإصراره على الفضيلة يحيل تلك الحصاة إلى جمرة تحرق جسدي وتشل كياني.
أما الحصى الذي لا يشتعل بالإيمان العميق والصدق في التوبة إنما هو حجر يدغدغني.
الشيطان الصغير: الم تصيبك جمرات هذا العام.
إبليس: بلى, لقد أصبت بعدد قليل منها لكن كثرة الضجيج لا تعني وجود عدد كبير من صادقي الوعد.
الشيطان الصغير: لكن عددهم كثير وقد أتوا طوعا لمعاهدة الرحمن.
إبليس: صحيح, سيغفر لهم الله الرحمن الرحيم وسيتركون المكان بصفحة بيضاء…وعلينا أن ندنسها باللون الأسود قريبا جدا…علينا أن ننتقم لرجمنا من بني آدم.
انطلقوا إلى كل من رمى حصاة ولم يرمِ جمرة…إلى كل من جاء حاجا بقلب غير سليم وعاد ضعيف النفس… إلى الذين جاءوا فقط ليحصلوا على لقب حاج .
الشيطان الصغير: وهل سننجح يا سيدي
إبليس: نحن دائما في نجاح…. هل سمعت يوما بأنه بعد الحاج قد نقص الرياء أو قلَّت السرقة…او بأن الطمع قد اندثر.
هنالك نجاحات بسيطة من حجيج قليل نطمسها نحن بتزيين الرذيلة وقتل الفضيلة وزيادة الأمل في سيء العمل….
انطلقوا إلى تلك الصفحات البيضاء واحرقوها بنار الفساد والرذيلة….
أكرموا بني آدم بالملذات اندسوا بين لحاهم, تحت الحجاب بين أناملهم. ولا تتركوهم حتى يكفروا ويتخذوا لله أندادا ويصبحون لنا تبعا.

ـــــــــــــــــــــــــــ
مقال كتبته العام الماضي وأكرره الآن وبعد الآن وبعد بعد الآن وإلى أن أقابل العزيز الواحد الديان..
فقضيتهم واحدة: انطلقوا إلى تلك الصفحات البيضاء واحرقوها بنار الفساد والرذيلة….
أكرموا بني آدم بالملذات اندسوا بين لحاهم, تحت الحجاب بين أناملهم. ولا تتركوهم حتى يكفروا ويتخذوا لله أندادا ويصبحون لنا تبعا.
هذا شغل أولاده أما عمله هو فنراه يهتم بعظائم الأمور..فمهمته اكبر بكثير من مهمة أبنائه وأحفاده..

دققوا:

(قَالَ أنظرتي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ . قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) الأعراف : 14 ـ 17.

انتبهوا

بالله عليكم..انتبهوا لما يقول..

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ…..ماشي الحال شغلته..

ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ …..ماشي الحال شغلته..

وَمِنْ خَلْفِهِمْ …..ماشي الحال شغلته..

وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ…..ماشي الحال شغلته..

وَعَن شَمَائِلِهِمْ …..ماشي الحال شغلته..

كل هذا!!!..كل هذا!!!..

مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ….لماذا؟..

يااااااااااااااااااااه… وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ….

أكثر ما يطمع فيه إبليس هو أن يجعل عباد الله سبحانه وتعالى لا يشكرون نعمته..

وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ..

ولقد نجح اللعين فيما نذر نفسه من أجله..