16640978_10155045726742803_4898854473559019813_n

البركة  

كنت خطيب جمعة لمسجد كبير في منطقة سياحية في بلدي وفي نفس الوقت وسط تجمع طلابي بجوار مدينة جامعية..

وذات يوم وبعد خطبة ألقيتها جاءني أحد تلامذتي وطلب مني الإذن بالموافقة على زيارة والده وأمه وإخوته بالبيت عندي

وذلك بغرض التعرف علي فلقد كان كثير التحدث عني..ووافقت على الفور

وحدد هو الموعد فكان عقب صلاة الجمعة القادمة بإذن الله تعالى.

 قال لي: أنا وبابا وماما وأخواتي تلاته صبيان وبنتين وكان هو أصغرهم..كان في السنة الثالثة في كلية الطب البيطري.

يعني خمسة أفراد..

 تحدثت في هذا الأمر مع جار لي ـ رحمه الله رحمة واسعة من عنده اسمه الحاج حسن ـ

وكان الحاج حسن يستفسر عن كل الداخل والطالع عندي.. وكنت استحمله في أشياء كثيرة فلقد كان كثير التدخل

في كافة شئوني الحياتية..لازم يسأل عن اللي داخل واللي طالع ..المهم كان فضوليا زيادة عن اللزوم..و

نظراً لأنني لم أكن استغنى عنه فلقد كان يتكفل بكل العزايم التي كنت أقوم بها وما علىّ إلا أن أخبره بالعدد ويقوم هو باللازم..

 قلت له:خمسة..وحسب عليهم زوجتي وأولادي كانوا اتنين وشغالة

إذن يبقى العدد تسعة.. نقول عشرة ..عشرة أفراد ياخد الفرد ربع كيلو لحمة مشوية يبقى نجيب تلاته كيلو لحمة ونشويها ..

 قلت له: أقولك خليهم أربعة ولا أقولك خليهم خمسة كيلو الواحد موش عارف الظروف إيه.وآهي الحاجة موش حاتخّسر..

 قال : الجماعة حايوصلوا إمتى..قلت له بعد صلاة الجمعة القادمة مباشرة.. إن شاء الله تعالى..

وفي الميعاد المحدد أعطيته النقود ليقوم بعمل اللازم..قال: على بركة الله..وراح لشراء اللحم المخصوص وإعطاءه للشَوّاء

بعد أن اتفق معه على ميعاد الاستلام..عقب صلاة الجمعة مباشرة..والتقينا أنا وضيوفي في المسجد

بعد ما استمعوا لخطبتي القصيرة وإذا بهم ثمانية أفراد .. واكتشفت إني حسبت غلط ..

فلقد قال لي: أنا وبابا وماما (آدي تلاتة)..وأخواتي تلاته صبيان وبنتين (وآدي خمسة) يبقى العدد تمانية..موش خمسة..

وعليهم آل بيتي(أربعة) يبقى العدد اتناشر.. قلت في نفسي محدثاً إياها الحمد لله على ستر الله

..ياسلااام خليهم خمسة كيلو يا حاج حسن ..اللهم لك الحمد كل الحمد والشكر يا ارحم الراحمين.

وانتقلنا إلى منزلي..وعلى الباب تعرف الحاج حسن عليهم وعرفهم بنفسه..وأنه وأنه وأنه..

ودخلوا حجرة الاستقبال..وكانت زوجتي مجهزة السفرة على أتم استعداد ..كانت عاملة بطاطس شيبسي ومكرونه اسباجيتي..

وسلاطات وطحينة ..وبدأ الإرهاب المعدي يشتغل. فلقد اخذ الكل يستمع إلى صوت الأطباق الصيني وهي تخبط في بعضها البعض وأصوات الشوك والمعالق تلك الأطباق التي لا تظهر إلا للضيوف..وفي المناسبات طبعا لأننا لا نأكل إلا في الأطباق الميلامين..وننتظر الضيوف بفارغ الصبر عشان نأكل معاهم في الأطباق الصيني….والإرهاب المعدي شغال..رِجل رايحة ورِجل جاية..وصوت هنا وصوت هناك..وما هي إلا لحظة أو تكاد وإذا بجرس الباب يرن وكانت رائحة الشواء سابقة لصوت الجرس فلما فتحت الباب

وإذا بصوت الحاج حسن يعلن عن مقدمة ..لازم يُشعر الضيوف أنه هو الذي وراء ذلك الطعام الشهي..

وأخذت منه الحلة وأدخلتها في حجرة الطعام والرائحة تسّقط القلب في الرجلين خصوصاً إذا كان المرء جائعاً.

وعدت أدراجي لأجلس مهم هنيهة..وقبل أن أجلس نادت علىّ زوجتي بصوت خفيييض مرتعش..

فهم الكل من وراءه أن استعدوا الأكل جاهز..استأذنت منهم بعد أن تهيأت نفوسهم للقيام قبلي.

قلت لها بصوت مسموع يملؤه الثقة:

ها.. جاهزين

قالت: جاهزين دا إيه..هو انت جبت كام كيلو لحمه

قلت لها مندهشا من طريقة عرض السؤال: ليه في إيه؟..

خمسة كيلو طبعن

قالت لي: خُش وشوف دخلت وشوفت وإذا بي أفاجأ بأن الطلبية مغلوطة والحلة لا يوجد فيها أكثر من كيلو واحد فقط.

ولما اتحطت اللحمة المشوية في السرفيس المعد لهذا الغرض مابانش فيه حاجة خالص.ينهار أبيض ما العمل..

البحر من أمامكم والعدو من خلفكم..لا مفر..الكل بالداخل ينتظرون الأمر بالزحف المقدس أمام الطعام..

ولا يوجد طعام يكفي إلا لأربعة أفراد..طب والباقي؟..ترى ما العمل؟..

 

ماذا تفعل لو كنت مكاني

توجهت إلى الله بدعائي:( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ )

[النمل : 62]

وما هي الحالة التي أنا عليها الآن؟..ألست أنا مضطراً..فلمن ألجأ؟..لا ملجأ من الله إلا إليه..

دخلت حجرتي وصليت ركعتين وبكل ثقة ويقين في الله جلّ علاه طلبت منه عز وجلّ الستر علىّ وأن يبارك لي في طعامي

فلقد نفذت كل ما أمر به ربي من إكرام الضيف أسوة بأبي الأنبياء إبراهيم صلى الله عليه وسلم (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ )[هود : 69]

وفرغت من صلاتي وبكل ثقة دعوت ضيوفي للجلوس على مائدة الطعام وزوجتي والشغالة مختبئتان في المطبخ.

عارفين يعني إيه الثقة بالله..إنها تتمثل في المثال التالي:خرج جماعة في الصحراء للاستسقاء ..

وكان معهم واحد يحمل بيده شمسية.هذه هي الثقة في الله كما هي في يقيني..

ناديت عليهم وكلي ثقة في الله أن الله سبحانه وتعالى سيجعل لي مخرجاً من حيث لا أحتسب.

 ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً )[الطلاق : 2]

تأملوا في قوله تعالى:يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً مَخْرَجاً مما أنا فيه كيف..الله تعالى أعلم فلقد كنت أحمل الشمسية

وبصوت عال تملؤه الثقة المطلقة بالله تعالى ناديت عليهم جميعاً

يلا يا جماعة..تفضلوا الأكل جاهز جلس كلٌ في مكانه..ورفعت غطاء السرفيس قليلاً دون أن أبصر ما الذي أسفله..

وكل ما فعلته هو أنني مددت يدي أسفل الغطاء وأحسست وكأن السرفيس ممتلئاً لأخره..

فكنت أخذ اللحم المشوي بكلتا يديا وأضع في الطبق الذي أمام كل فرد..أكبش بكلتا يديا من اللحم وأضع في الطبق..اكبش بكلتا يديا..وأضع في الطبق..حتى فرغت تماما من الأطباق التي كانت ملئى عن آخرها..وناديت على الحاجة ابتسام وأنا جالس معاهم متعمداً حتى أرى رده الفعل عندها حاتكون إيه لما تشوف المنظر..قَعَدِت تتلكأ وتتباطأ في الحضور..وأنا أنادي يا حاجة ابتسام الناس عاوزين يا كلوا ومستنينك ..

جاءت زوجتي وهي مرعوبة لتفاجأ بالمنظر الذي لم ولن تنساه..ترى ما هو؟؟..

 فضلاً عن امتلاء كل طبق أمام صاحبه ..

إلا أنني حينما رفعت الغطاء عن السرفيس كان السرفيس ممتلئا باللحم كأننا لم نأخذ منه ولا قطعة لحم واحدة.

والبخار يتصاعد منه..

فلقد كان اللحم ساخنا..ولم يتأثر بالمشوار من السوق إلى منزلي.حمدنا الله سوياً وسجدنا لله شكراً أمامهم معللين سبب السجود بفرحتنا الغامرة بمقدمهم..كنت أضع الطعام بيدي أمامهم والدموع ملئ عيني وانا أتمتم في سري:(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُوَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُوَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُوَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُوَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ 

وقعدنا نأكل من الطعام ثلاثة أيام متواصلة خوفا من أن يتلف..ولم يتلف.

يا إخواني كيف تنظرون إلى الأمر برمته..

ما هو تقويم ما قد فات لو أنني قصصت هذا الأمر على أحد المشايخ لخرج بخطبة عصماء حول البركة ومفهومها كما قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96). 

وقال سبحانه: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً) (الجـن:16).

 وفي مقابل ذلك قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (سـبأ:15-17). 

ثم إن الإيمان والتقوى شُعَبٌ كثيرة، وتفاضل بعضها على بعض في التأثير على الرزق مما دلت عليه الأدلة،

ومما ثبت أن له أثراً على رزق ما يلي:

• الاستغفار: ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ [هود : 52]

 فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [نوح : 12]وفي الحديث: “من لزمَ الاستغفارَ، جعلَ اللهُ له من كُلِّ همٍّ فرجًا، ومن كُلِّ ضِيقٍ مخرجًا، ورَزَقهُ من حيثُ لا يحتسبُ”.

• العمل بأحكام الكتاب وإقامة أمره وتحكيمه ولو على نطاق الفرد وهذا يستفاد من قول الله تعالى في أهل الكتاب: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (المائدة: من الآية66).

• ومن ذلك أيضاً البر والإنفاق؛ صدقةً وزكاةً، قال الله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: من الآية39)، وقال: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة: من الآية276)، وقال: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سـبأ: من الآية39)، وقد ثبت في الحديث القدسي عند مسلم قول الله تعالى: “يا ابن آدم أنفق، أنفق عليك”، واتفق الشيخان على حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً”.

• ومن ذلك أيضاً صلة الرحم، التي قطعها كثير من الناس لأجل الدنيا وكسبها، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه” قال علماؤنا: بسط الرزق: توسيعه وتكثره أو البركة فيه.

• ومن ذلك أيضاً التوكل على الله، وهذا من تمام التعلق به وتوحيده، فالمرء يبذل أسباب الرزق، ثم لا يتعلق بها أو بمن جعله الله سبباً لها، بل بمسدي النعمة سبحانه وتعالى، وقد روى الإمام أحمد والترمذي وصححه حديث الفاروق عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً”.

• ومن ذلك الدعاء والشكر والحمد والثناء والتوبة ، فكل هذه مما دلت الأدلة على أثرها في الرزق والمباركة فيه والأدلة على ذلك كثيرة متظاهرة، ومن حقق هذه الأسباب الشرعية كفاه القليل وأغناه.ولكن ما حدث لي كان بخلاف ذلك..لم يكن بركة..تخضع لمقاييس التعريف لها..لقد دخلت إلى حجرتي وصليت صلاة الاستسقاء..وكنت أحمل بيدي الشمسية..فأنزل الله علينا مائدة من السماء كانت لنا عيداً..

 لقد أطعم الله سبحانه وتعالى ضيوفي بطعام ليس مصدره الشواء..ولكن كان مصدره السماء..فكان مذاقه مختلفاً..

وأشهد الله سبحانه وتعالى أنني لم أتذوق مثل هذا الطعم في حياتي.

بقي أمراً..يا إخواني لقد صليت صلاة الاستسقاااااااااااااء.. صلاة الاستسقاااااااااااااء.. صلاة الاستسقاااااااااااااء..كنت في حجرتي أصلي صلاة الاستسقاء وأنا احمل الشمسية..

فأنزل الله علينا مائدة من السماء لم يكن مصدره الشواء؟..ولكن كان مصدره السماء..فما حدث لي كان معجزة من السماء. 

فلقد قال الحق سبحانه وتعالى فيمن لزم الاستغفار(يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً)..تأملوا في قوله تعالىيُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمالسماء كل من في السماء(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ )[غافر : 7]

 لقد شعرت أن كل من في السماء يشاركونني الابتهال إلى الله جل علاهففتحت أبواب السماء بالخيرفَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ [القمر : 11]بِمَاء مُّنْهَمِرٍكان يكفي أن يقولبِمَاء لا..لا..فالأمر أكبر من ذلكفَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍوليس هذا فحسب وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء ماء الأرض وماء السماء..فلماذا حصرتموها في ماء المطرخذوا المعنى الأشمل والأعمعَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر : 12] 

ويبقى الأمر لله وحده يشمل عباده بقدرثم يأتي الرزق من السماء بدون مَْنٍ مِنَ الله جل علاه(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً )[الإنسان : 9]

 ياااااااااااااااااااه فمن الذي أطعم من؟..لم أكن قد انتبهت إلي الآية السابقة من قبل..لقد سرح بي الخاطر إلى أبعد من ذلك ..إلى كتاب الله تعالىإذا كان الذي حدث لي معجزة من السماء..وهذه حقيقة لا مراء فيها..فإن بقاء الطعام لمدة ثلاثة أيام بعد ذلك..إنه نوع من أنواع البركة.

فما هي البركة ما أذكره لكم ليس تعريفا لها وإنما هي ليست بكثرةِ المالِ ولا بسلطةِ الجاهِ، ولا بالولدِ، ولا بأنواع العلومِ الماديَّةِ، ولكنّها شعورٌ بالنفسِ، يشعُرُ به الإنسانُ؛ فيؤدي إلى صفاءِ النفسِ، وطيبِ القلبِ، وهناءِ العيشِ، وقُرَّةِ العينِ والقناعةِ بما كسب اللهُ، والقناعةِ بما قدَّر اللهُ،

فبركةُ العمر، كونُ العمرِ مباركًا أن يستفيدَ العبدُ من عُمُره، ويستغلَّهُ، ويتَّسعَ للخيرِ، وإمكانُ استغلالِه في الخيرِ،

وبركةُ العمرِ عمرٌ مقرونٌ بعملِ صالحِ، يستفيدُ العبدُ منه، وبركة ُالعلمِ تعليمُه والعملُ به، ونشرُهُ بين المسلمين.كذلك كانت معصية الله سببا لمحق البركة من كل شيء وعلى رأسها الرزق والأجل ، لأن الشيطان موكل بها وبأصحابها ، فسلطانه عليهم ، وحوالته على هذا الديوان وأهله وأصحابه ، وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه ، فبركته ممحوقة ، ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في مقارنة اسم الله من البركة ، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض له ،

وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة ، فإن الرب هو الذي يبارك وحده ، والبركة كلها منه ، وكل ما نسب إليه مبارك ، فكلامه مبارك ، ورسوله صلى الله عليه وسلم مبارك ، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك ، وبيته الحرام مبارك ، وكنانته من أرضه ، وهي الشام أرض البركة ، وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه ، فلا مبارك إلا هو وحده ، ولا مبارك إلا ما نسب إليه ، أعني إلى إلوهيته ومحبته ورضاه ، وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه ،

وكل ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ، ولا خير فيه ، وكل ما كان منه قريبا من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه . وضد البركة اللعنة ؛ فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل لعنه الله أبعد شيء من الخير والبركة  

وكلما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه بسبيل فلا بركة فيه البتة . وقد لعن عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه ، فكل ما كان جهته فله من لعنة الله بقدر قربه واتصاله به ،

فمن هاهنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل ، وكل وقت عصيت الله فيه ، أو مال عصي الله به ، أو بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له ، فليس له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به . ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها ، ويكون عمره لا يبلغ عشرين سنة أو نحوها ،

كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها.فمن تَدَبَّرَ كتابَ الله، وسنةَ نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، يعلمُ أن البركةَ عامةٌ في الرزقِ، وفي العمرِ، وفي الولدِ والمالِ، وأن للرزق أسبابًا تجعلُ هذا الرزقَ، رزقًَا مباركًا.إنها البركة الموجودة في كتاب الله تعالىيقول تعالى:(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [ص: 29] (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ )[الأنعام : 92](وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )[الأنعام : 155]

 (وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ )[الأنبياء : 50]

(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ )[ص : 29]

 (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ )[آل عمران : 96]

 (وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً )[مريم : 31]

 (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ )[المؤمنون : 29]

 (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )[النور : 35]

 (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون )[النور : 61]

 (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )[القصص : 30]

 (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ )[الدخان : 3]

 (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ )[ق : 9] 

ويصف الله سبحانه وتعالى نفسه فيقول:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )[الأعراف : 54] 

( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )[المؤمنون : 14]

 (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً )[الفرقان : 1]

 (تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً )[الفرقان : 10]

 (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً )[الفرقان : 61]

 (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )[غافر : 64](وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )[الزخرف : 85]

 (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )[الرحمن : 78]

 (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[الملك : 1]

 البركة من الله(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ )[الأعراف : 137]

 (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )[الإسراء : 1](وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ )[الأنبياء : 71]

 (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ )[الأنبياء : 81]

(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ )[سبأ : 18]

(وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ )[الصافات : 113] 

هذه هي البركة وكان الحديث في المسجد أيامها عن البركة.

 

بقلم المهندس زهدي جمال الدين