000dcc98757bc662047866b464967945

 

يا أبنائي ويا بناتي
يا من تتوق أنفسكم للإنجاب فلتعلموا أن الإنجاب ليس حقا أو رزقاً ..وإنما هو هبة من الخالق سبحانه وتعالى..
لذلك يقول تعالى:
( لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً…) الشورى: 49 – 50.
دققوا جيدا في قوله تعالى:
يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً
وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ
ومن حرم الهبة فهو يقع ضمن مشيئته سبحانه وتعالى: وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً
وفي كل خير..
وليكن الحديث عن تلك الفئة التي تقع ضمن الجعل وتتوق نفسها لتلقي هبة الله سبحانه وتعالى شأنها كشأن الأنبياء مثل إبراهيم و زَكَرِيَّا عليهما السلام..
دققوا في دعاء إبراهيم :(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) الصافات : 100
(هَبْ) من الهبة، والهبة لا يكون لها مُقابل فَرَبّ العالمين يهب الناس لأنه لا يُمكن لأحد منهم أن يُقَدّم له شيئاً يُوازي نعمه التي يهبها أو شُكراً يُعادلها، فهو الذي يقول:
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا) فنعمة واحدة مما وهبه لنا لا نستطيع إحصاءها، فهل نستطيع شُكرها؟ لهذا كان رسول الله ﷺ يقول:
(وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)..
ولمّا كانت هبة الولد الصالح عطية عظيمة من اللَّه تعالى، ونعمة جليلة من نعمه، كان شكرها، وحمد الرب تبارك وتعالى عليها واجباً على العبد، كما قال تعالى:
(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ)سورة البقرة، الآية: 231.
ولأن بالشكر تدوم النعم(وإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)سورة إبراهيم، الآية: 7، فقد وفّى خليل الرحمن بهذه النعمة خير التمام، حيث قال:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)سورة إبراهيم، الآية: 39.
دققوا مرة أخرى في قوله:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)سورة إبراهيم، الآية: 39.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
أكد الجملة بـ(إنَّ )، و(اللام) للدعاء، والإجابة، أي وهب اللَّه لي على الكبر إسماعيل، وإسحاق؛ لأنه تعالى سميع الدعاء، وهذه هي عادة اللَّه تبارك وتعالى مع الصادقين السائلين أن يجيبهم، ويؤتيهم سؤلهم؛ لأنه سبحانه وتعالى مجيب لمن دعاه، كما دلّ قوله تعالى:
(فَبَشَّرْنَاهُ)..بالفاء التي تفيد التعقيب والترتيب والسببية، أي فبسبب دعائه ببشارته، ودلّت هذه البشارة أنها جاءت عقب الدعاء مباشرة، كما دلّ على ذلك بـ(الفاء) التي تدلّ على التعقيب دون مهلة، وهذا يدلّ على عظم شأن الدعاء، فما استجلبت النعم، ودفعت النقم بمثله .
ومع سيدنا زكريا عليه السلام نعيش نفس الخاطرة..
دققوا جيدا:
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)آل عمران :38
(هُنَالِكَ)..في أغوار النفس السحيقة..
في أعمق أعماق سويداء قلبه..
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
دعاه وهو موقن بالإجابة
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء
وعلى الفور جاءت الإجابة
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) الأنبياء : 90..
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ
وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ
دققوا
كنا نتوقع ان يكون ترتيب الاستجابة إصلاح الزوجة اولاً لأنها عاقر ثم تكون الهبة بالولد بعد ذلك…
ولكن الذي حدث هو عكس ذلك .. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ
فورا..أما ترتيب الأوراق فبعدين.. وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ.
ومعنى: ( وَوَهَبْنَا) أي: أعطيناه بدون قانون التكوين الإنساني، وبدون أسباب.
وأصحاب العُقْم وعدم الإنجاب نرى فيهم آيات من آيات الله، فنرى الزوجين صحيحين، أجهزتُهما صالحة للإنجاب، ومع ذلك لا ينجبان، فإذا ما تزوج كل منهما بزوج آخر ينجب؛ لأن المسألة ليست (آليّة)، بل وراء الأسباب الظاهرة إرادة الله ومشيئته.
ثم تُوضِّح الآيات سبب وعِلَّة إكرام الله واستجابته لنبيه زكريا عليه السلام:
( إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ )الأنبياء: 90
هذه صفات ثلاث أهَّلَتْ زكريا وزوجته لهذا العطاء الإلهي، وعلينا أن نقف أمام هذه التجربة لسيدنا زكريا، فهي أيضاً ليستْ خاصة به إنما بكل مؤمن يُقدِّم من نفسه هذه الصفات.
لذلك، أقول لمن يُعاني من العقم وعدم الإنجاب وضاقتْ به أسباب الدنيا، وطرق باب الأطباء أن يلجأ إلى الله بما لجأ به زكريا – عليه السلام – وأهله ( إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ ) الأنبياء: 90.
خذوها (روشتة) ربانية، ولن تتخلف عنكم الاستجابة بإذن الله.لكن، لماذا هذه الصفة بالذات:
1 ـ ( إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ.. } [الأنبياء: 90]؟
فلتسارعوا في الخيرات، ثم توجَّهوا إلى الله بالدعاء رَغَباً ورَهَباً، فإن الله تعالى وهو المكوِّن الأعلى يخرق لكم النواميس والقوانين، ويرزقكم الولد من حيث لا تحتسبون.
2 ـ (وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً).. أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة.

3 ـ ( وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ ) يعني: راضين بقدرنا فيهم، راضين بالعُقْم على أنه ابتلاء وقضاء، ولا يُرفع القضاء عن العبد حتى يرضى به، فلا ينبغي للمؤمن أنْ يتمرَّد على قدر الله، ومن الخشوع الانصياع لمقادير الخَلْق في الناس.